
قرارات التعليم بين الإشادة وطموح أولياء الأمور نحو تقييم أكثر عدالة
بقلم: سماح محروس
تظل قضية تطوير التعليم واحدة من أهم القضايا التي تشغل الأسرة المصرية، فكل قرار يتعلق بآليات الامتحانات والتقييم ينعكس بصورة مباشرة على مستقبل أبنائنا، ومن هنا تأتي أهمية الاستماع إلى أصوات أولياء الأمور ومناقشة رؤيتهم ومقترحاتهم باعتبارهم أحد الأطراف الأساسية في العملية التعليمية.
وفي هذا الإطار، فإن التوجه نحو زيادة مساحة الأسئلة المقالية في تقييم طلاب الثانوية العامة والبكالوريا يمثل، من وجهة نظري، خطوة إيجابية تستحق الإشادة، لما للأسئلة المقالية من دور في قياس قدرة الطالب على الفهم والتحليل والتعبير وإظهار مستواه العلمي بصورة أعمق من الاعتماد الكامل على أسئلة الاختيار من متعدد.
لقد عبّر عدد كبير من أولياء الأمور خلال السنوات الماضية عن مخاوفهم من الاعتماد الواسع على نظام «البابل شيت»، خاصة مع ما أثير حول احتمالات الغش وصعوبة إظهار الفروق الحقيقية بين مستويات بعض الطلاب. ومن هنا فإن الجمع بين الأسئلة المقالية والاختيار من متعدد يمكن أن يمثل بداية جيدة لإعادة التوازن إلى منظومة التقييم.
وبصفتي ولية أمر لابنتين متفوقتين، فقد عايشت عن قرب حجم القلق الذي يصيب الأسرة عندما تشعر بأن مستقبل أبنائها قد يتوقف على نظام تقييم لا يمنح الطالب، من وجهة نظرها، المساحة الكافية لإظهار مجهوده وفهمه الحقيقي للمادة العلمية. لذلك أرى أن تعزيز الجانب المقالي يمثل خطوة مهمة نحو المزيد من العدالة وتكافؤ الفرص.
ورغم تقديري لهذا التوجه، فإن طموحي كولية أمر يذهب إلى أبعد من ذلك، وأتمنى دراسة إمكانية زيادة نسبة الأسئلة المقالية بدرجة أكبر، بما قد يصل إلى 85% للأسئلة المقالية و15% للاختيار من متعدد، إذا أثبتت الدراسات التربوية وإمكانات التصحيح أن هذه النسبة تحقق تقييمًا أكثر دقة وعدالة.
وأرى أن زيادة مساحة الأسئلة المقالية يمكن أن تحقق عددًا من المزايا؛ أولها منح الطالب المتفوق فرصة أكبر لإثبات قدراته ومجهوده، وثانيها إظهار الفروق الفردية بين الطلاب من خلال الفهم والتحليل والاستيعاب، وليس مجرد اختيار إجابة أو تظليلها.
كما يمكن للأسئلة المقالية، مع وجود منظومة تصحيح دقيقة وضوابط واضحة، أن تساعد في الحد من بعض صور الغش، وأن توفر مستندًا واضحًا لإجابة الطالب يمكن الرجوع إليه عند التظلمات ومراجعة الدرجات، وهو ما يعزز ثقة الطالب وولي الأمر في نزاهة عملية التقييم.
إن الهدف ليس العودة إلى الماضي لمجرد أنه الماضي، ولا رفض الوسائل الحديثة في الامتحانات، وإنما الاستفادة من أفضل ما في النظامين. فقد تعلمت أجيال عديدة في مصر من خلال أنظمة اعتمدت بدرجة كبيرة على الأسئلة المقالية والفهم والتحليل، وخرج من بينها علماء ومفكرون ورواد في مختلف المجالات. ومن حق الجيل الحالي أيضًا أن يحصل على نظام تقييم يكافئ الفهم والاجتهاد والإبداع.
وفي الوقت نفسه، فإن أي حديث عن وجود تلاعب أو تزوير في النتائج أو استفادة جهات تعليمية بعينها يجب أن يخضع للتحقيق والأدلة والرقابة الرسمية، حتى لا تتحول المخاوف المشروعة لأولياء الأمور إلى اتهامات عامة دون إثبات. المطلوب هو منظومة شفافة تغلق أبواب الشك من الأساس، وتضمن أن يحصل كل طالب على الدرجة التي يستحقها دون زيادة أو نقصان.
رسالتي إلى وزارة التربية والتعليم هي أن تطوير منظومة التقييم يحتاج إلى حوار مستمر مع الطلاب والمعلمين وأولياء الأمور والمتخصصين في القياس والتقويم، وأن القرارات الإيجابية تصبح أكثر قوة عندما تظل قابلة للمراجعة والتطوير بناءً على النتائج الفعلية للتطبيق.
وفي الختام، أتوجه بالشكر والتقدير إلى وزير التربية والتعليم وكل مسؤول يستمع إلى مطالب الأسر المصرية ويعمل على تطوير المنظومة، مع التمسك بحقنا المشروع كأولياء أمور في طرح المقترحات والمطالبة بالمزيد من العدالة والشفافية وتكافؤ الفرص.
فعدالة التقييم ليست مطلبًا لفئة بعينها، وإنما حق لكل طالب مصري، ودعم التعليم الحكومي والحفاظ على تكافؤ الفرص ومجانية التعليم مسؤولية وطنية مشتركة.
حفظ الله مصر، وحفظ أبناءها، ووفق القائمين على التعليم إلى كل ما يصون مستقبل طلابنا ويحقق لهم العدالة والتميز.



