
روزى رغيب تكتب: في اليوم العالمي للعمل الإنساني.. حين تصبح حماية المُعين اختبارًا لهيبة القانون الدولي
كثيرًا ما نقرأ عن الإنسانية باعتبارها قيمة أخلاقية سامية، لكنني كقانونية أقرأها من زاوية أخرى؛ زاوية تبحث عما وراء الشعارات، وتتساءل عن قدرة القانون على توفير الحماية الحقيقية لمن يضعون حياتهم في مواجهة الخطر من أجل إنقاذ الآخرين.
وفي اليوم العالمي للعمل الإنساني، تتجه الكلمات عادةً إلى تكريم العاملين في المجال الإنساني والإشادة بتضحياتهم، وهو تقدير يستحقونه بلا شك، لكن يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل تكفي كلمات الشكر في ظل استمرار الاعتداءات على العاملين في المجال الإنساني؟
المساعدات الإنسانية ليست منّة، ولا تحتاج إلى تمجيد بقدر ما تحتاج إلى بيئة آمنة تسمح بوصولها إلى مستحقيها. وهنا تظهر واحدة من أخطر الإشكاليات: وجود قواعد واضحة في القانون الدولي الإنساني تقرر الحماية، مقابل فجوة كبيرة بين النص والتطبيق عندما تقع الانتهاكات دون محاسبة فعالة.
وتشير الإحصاءات المتعلقة بالعام الماضي إلى سقوط نحو 350 عاملًا إنسانيًا ضحايا للهجمات، وكان من بينهم عدد كبير من العاملين المحليين الذين يعملون في الخطوط الأمامية، بعيدًا في كثير من الأحيان عن عناوين الأخبار والاهتمام الدولي.
ولا ينبغي التعامل مع هذه الأرقام باعتبارها مجرد إحصاءات تضاف إلى تقارير النزاعات، بل باعتبارها جرس إنذار بشأن مدى فاعلية منظومة الحماية والمساءلة، ومدى احترام المبادئ التي أرستها اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني لحماية المدنيين والعاملين في المجال الإنساني.
فالقانون الذي لا يجد طريقه إلى التطبيق يفقد جانبًا كبيرًا من قدرته على الردع، والحماية التي لا تتبعها مساءلة حقيقية عند انتهاكها تظل حماية ناقصة.
ومن هنا، فإن الدفاع عن العمل الإنساني لا يبدأ فقط بتوفير الغذاء والدواء والمأوى للمتضررين، وإنما يبدأ أيضًا من حماية من يحملون هذه المساعدات إليهم.
نحن بحاجة إلى ملاحقة جادة للمسؤولين عن الاعتداءات، وإلى آليات أكثر فاعلية للمساءلة، وإلى توفير حماية ودعم مستدام للفرق المحلية التي تتحمل جانبًا كبيرًا من المخاطر على الأرض، فضلًا عن ضرورة أن تعكس العقود والسياسات والتمويلات حجم المسؤولية التي يتحملها هؤلاء العاملون.
إن حماية العامل الإنساني ليست مسألة جانبية في منظومة الإغاثة، وإنما هي جزء أصيل من العملية الإنسانية نفسها؛ لأن الاعتداء على من يقدم المساعدة لا يهدد فردًا فقط، بل قد يحرم مجتمعًا كاملًا من الغذاء أو العلاج أو المأوى.
وفي اليوم العالمي للعمل الإنساني، يستحق كل من يمد يده لإنقاذ إنسان أكثر من كلمة «شكرًا».
يستحق حماية حقيقية، ومساءلة عادلة لمن يعتدي عليه، ومنظومة دولية قادرة على تحويل نصوص القانون من كلمات مكتوبة إلى ضمانات على أرض الواقع.
فالإنسانية لا تُحمى بالشعارات وحدها، وإنما بقانون تُصان هيبته، ومعتدٍ يعلم أن انتهاكه لن يمر دون حساب.



