أقلام حره

المستشاره منى رعد تكتب : فوضى الوعود الزائفة:عندما يصطدم التسرع بالواقع الحتمي.

كم مرة وقف أمامك أحدهم بملامح يغمرها الحماس وكلمات تُقطر يقيناً، يمنحك وعوداً تلامس السحاب ثم ما إن دارت الأيام قليلاً أو إصطدم أول إختبار حقيقي حتى تلاشى كل ذلك الوهم وإنطمس كأنه لم يكن؟

والأكثر من ذلك كله… ماذا يحدث حين تقف أنت في وجه هذا المدّ العبثي وحين ترفض بوعي كامل أن تُساير نزواته أو تلبي له طلباً متسرعاً، فتقول له ببساطة وثبات: “لا”؟

بصفتنا ممارسين لعلوم الوعي والبناء النفسي، ندرك تماماً أن هذه الشخصية التي تتأرجح بلا جذور بين الوعود والقرارات المتقلبة لا تعاني مجرد آفة سلوكية عابرة بل هي حبيسة أزمة نضج عاطفي وهشاشة في البناء الداخلي، فالإنسان المتسرع في قراراته، المتبدل في عهوده، يعيش في مسرحية نفسية يكون فيها هو الممثل والضحية معاً، فهو يطلق الوعود من مركز “الأنا المثالية” لا من واقع القدرة الفعلية محاولاً إرضاء إندفاعات لحظية أو الهروب من مواجهة ذاته الحقيقية.

بالنسبة له، الوعد ليس إلتزاماً أخلاقياً بل هو مخدر مؤقت يمنحه شعوراً زائفاً بالبطولة والسيطرة، وحين نبحث عن ملامح هذه الشخصية نجدها تنطلق في إتخاذ قراراتها من دوافع عاطفية بحتة أو رغبة ملحة في إرضاء اللحظة، ودون أي إعتبار حقيقي للمآلات أو القدرات الفعلية على التنفيذ، فهو يدير حياته بمنطق الإرتجال المستمر وردود الفعل السريعة وكأن التروي جريمة، متجاهلاً حقيقة أن القرارات المدروسة وحدها هي التي تصنع الإستقرار.

تراه يمنح وعوداً براقة وواسعة النطاق، مؤمناً لحظياً بقدرته الخارقة على الإنجاز، ليتلاشى هذا الحماس فور إصطدامه بأول عقبة واقعية، وتتغير أهواؤه وقراراته بتغير المزاج العام مما يجعل التعامل معه يشبه تماماً محاولة الإمساك بالماء، فلا يمكنك أبداً أن تضمن معه موعداً ثابتاً أو اتفاقاً راسخاً.

ولكن المعادلة تبلغ ذروتها وتتحول إلى دراما قاسية حين تصطدم هذه الشخصية بحائط الصد: الرفض، حين تقول “لا” لشخص إعتاد أن تسير الحياة وفق أهوائه المتقلبة أو حين ترفض أن تنفذ له مشروعاً وهمياً أو قراراً غير مدروس، فإنك لا ترفض طلبه فحسب بل تهدم المرآة الوهمية التي يرى فيها نفسه.

هنا يظهر الإنفجار النفسي الحقيقي، فلا يتحمل هذا العقل المأزوم وقع الرفض، فينقلب من النقيض إلى النقيض، مستخدماً آليات دفاعية مدمرة كالإنكار والإبتزاز العاطفي ولعب دور الضحية وربما الإنتقام الخفي عبر التخريب المباشر للإلتزامات السابقة، إنه لا يغضب منك لأنك أضررت بمصلحته بل لأنه مُنع من مواصلة خداع ذاته والآخرين.

في سياق الحياة الشخصية، التعامل مع هذا النمط يشبه محاولة بناء منزل على رمال متحركة، كل خطوة للأمام تتبعها هزة تهدم كل ما أُسّس.

وفي الواقع المهني، يمثل هذا المتسرع إستنزافاً طاقياً، فهو يربك المنظومة ويبدد الموارد في طاحونة قرارات تتغير بتغير المزاج.

لذا، فإن إشهار كلمة “لا” بحزم ورفض التماهي مع هذه الفوضى، هو تمرين علاجي إلزامي وليس مجرد موقف دفاعي.

إننا بحاجة إلى إعادة ترسيم الحدود بصلابة واعية عبر:

● التوثيق المهني الصارم لحماية البيئة العملية من عبث الارتجال.

● الرفض الواعي وغير المُبرر بإفراط: لأن محاولة إرضاء المتقلب عبث لا ينتهي.

● تحميل المسؤولية: بترك هذا الشخص يواجه عواقب قراراته المتسرعة دون أن نكون شبكة الأمان التي تلتقط سقطاته كل مرة.

التطور الحقيقي لا يحدث إلا عندما يدرك الإنسان أن الثقة ليست شعاراً يرفع في لحظة حماس بل هي مسيرة شاقة تُصاغ بالأفعال الثابتة، وأن من يعبث بكلمته إنما يحفر بيده مقبرة إحترامه أمام نفسه وأمام الآخرين.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock