أقلام حره

الإعلام المصري بين رسالته السامية وانحراف بعض الممارسات عن مسارها

بقلم: سماح محروس

مما لا شك فيه أن الإعلام المصري يمثل إحدى أهم دعائم الدولة والمجتمع، ويؤدي دورًا محوريًا في نقل صوت الرأي العام، وطرح القضايا المجتمعية، ومناقشة الأزمات والبحث عن حلول لها. ومن هنا تأتي أهمية أن تظل الرسالة الإعلامية مرتبطة بمسؤوليتها الحقيقية، وأن يتحلى القائمون عليها بالمهنية والوعي واحترام المشاهد.

لكن ما يشهده الجمهور أحيانًا من انتقال بعض الخلافات الشخصية بين إعلاميين إلى الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي يثير تساؤلًا مهمًا: أين تنتهي المساحة الشخصية للإعلامي، وأين تبدأ مسؤوليته تجاه الجمهور؟

وقد أعادت الخلافات التي أثيرت بين الإعلاميتين ياسمين الخطيب وريهام سعيد هذا السؤال إلى الواجهة، بعدما تجاوز الجدل في جانب منه الإطار الشخصي، وأصبح مادة متداولة أمام الجمهور.

ومن حق أي إعلامي، كأي مواطن، أن يدافع عن نفسه إذا رأى أنه تعرض لتجاوز أو إساءة، وأن يلجأ إلى الجهات الرسمية والقضائية المختصة لحماية حقوقه. لكن تحويل الخلافات الشخصية إلى مادة تشغل مساحة من اهتمام الجمهور يطرح إشكالية مهنية تتعلق بوظيفة الإعلام وأولوياته.

فالمشاهد ليس طرفًا في الخصومات الشخصية، ولا ينبغي أن تتحول المنصات الإعلامية إلى ساحات لتصفية الحسابات أو تبادل الاتهامات. فالأصل أن تُخصص المساحة الإعلامية لما يهم المواطن: مشكلاته، وقضاياه، وهمومه اليومية، وما يحتاج إليه من معلومات ونقاشات جادة تساعده على فهم واقعه.

ومن هذا المنطلق، فإن أي قرارات تنظيمية تصدر عن الجهات المختصة بشأن الممارسات الإعلامية ينبغي النظر إليها في إطار مسؤولية تلك الجهات عن تطبيق القواعد والمعايير المهنية، مع ضمان الالتزام بالإجراءات واللوائح المنظمة للعمل الإعلامي.

الجمهور ليس طرفًا في الخلاف

القضية هنا أكبر من خلاف بين إعلاميتين؛ فهي تتعلق بفكرة أساسية مفادها أن وقت المشاهد له قيمة.

فالإعلام لا يؤدي رسالته بكثرة الضجيج، وإنما بقيمة ما يقدمه للناس. والمنافسة الحقيقية بين الإعلاميين يجب أن تكون في جودة المحتوى، وقوة المعلومة، وعمق النقاش، والقدرة على طرح مشكلات المجتمع بصورة مهنية، لا في حجم الخلافات الشخصية التي تصل إلى الجمهور.

كما أن مواقع التواصل الاجتماعي جعلت الحدود بين الحياة الشخصية والحضور المهني أكثر تداخلًا، وهو ما يضاعف مسؤولية الإعلامي؛ لأن ما يصدر عنه لم يعد محصورًا داخل برنامجه فقط، وإنما قد ينتشر خلال دقائق ليصبح جزءًا من النقاش العام.

نحتاج إلى دماء إعلامية جديدة

الإعلام المصري يمتلك تاريخًا طويلًا وكفاءات مهنية عديدة، والحفاظ على مكانته يحتاج باستمرار إلى إتاحة الفرصة لوجوه وكفاءات إعلامية جديدة تمتلك الوعي والثقافة والمهنية، وتدرك أن الظهور على الشاشة ليس امتيازًا شخصيًا بقدر ما هو مسؤولية أمام الجمهور.

نحتاج إلى إعلامي يقدر وقت المشاهد، ويحترم عقله وذوقه، ويفصل بين خلافاته الخاصة ومسؤوليته المهنية، ويعرف أن قوة الإعلام لا تُقاس بارتفاع نبرة الصوت أو إثارة الجدل، وإنما بمدى تأثيره الإيجابي وقدرته على إيصال صوت الناس وطرح قضاياهم بموضوعية ومهنية.

الإعلام تكليف لا تشريف

في النهاية، ستظل رسالة الإعلام أسمى من أي خلاف شخصي، وأكبر من أي اسم مهما بلغت شهرته.

الإعلام المصري يحتاج إلى كل من يحترم هذه الرسالة، ويقدر قيمة الكلمة، ويحافظ على وقت المشاهد، ويضع قضايا المجتمع في مقدمة أولوياته.

فالارتقاء بالإعلام لا يتحقق بالتراشق العلني أو نقل الخصومات الشخصية إلى الجمهور، وإنما يتحقق باحترام المشاهد، وتقديم المعلومة، ومناقشة أزمات المجتمع، وإيصال صوت الرأي العام بمهنية ومسؤولية.

ولذلك يجب أن يظل المبدأ واضحًا:

الإعلام مسؤولية قبل أن يكون شهرة، وتكليف قبل أن يكون تشريفًا، ومن يتصدر المشهد الإعلامي عليه أن يكون على قدر هذه المسؤولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock