أقلام حره

المستشار ياسر الخولى يكتب : فن الحرب لسون تزو… حين يصبح العقل أقوى من السلاح

 

ليست الحضارات العظيمة هي التي امتلكت أقوى الجيوش فحسب، وإنما هي التي امتلكت أعظم العقول. فالقوة قد تحسم معركة، لكنها لا تبني دولة، ولا تصنع مستقبلاً، ولا تحمي أمة من أخطائها. أما الفكر، فهو القادر على تحويل القوة إلى إنجاز، والصراع إلى فرصة، والتحديات إلى بدايات جديدة.

ولهذا لم يكن غريباً أن يبقى كتاب «فن الحرب» للمفكر والقائد الصيني سون تزو حاضراً في الوعي الإنساني لأكثر من ألفي عام، وأن يقرأه العسكري والسياسي ورجل الأعمال والباحث، كلٌّ باحثاً عن إجابة لسؤال جوهري: كيف تُدار الصراعات بحكمة قبل أن تُدار بالقوة؟

قد يظن البعض أن الكتاب دليل لخوض الحروب، غير أن القراءة المتأنية تكشف حقيقة أكثر عمقاً؛ فسـون تزو لا يمجّد الحرب، بل يعدّها الخيار الأخير. ويرى أن القائد الحكيم هو من يحقق أهدافه بأقل تكلفة ممكنة، وأن أعظم الانتصارات هي تلك التي تتحقق دون قتال.

يقوم الكتاب على مبادئ تبدو عابرة للزمن؛ في مقدمتها أن المعرفة أساس القوة، وأن التخطيط يسبق التنفيذ، وأن المرونة في اتخاذ القرار قد تكون أهم من كثرة الإمكانات. فالقائد الذي يعرف نفسه، ويفهم خصمه، ويقرأ الظروف المحيطة به، يمتلك ميزة لا تمنحها القوة وحدها.

ولعل سر خلود هذا العمل أنه لم يبق حبيس الميدان العسكري، بل وجدت أفكاره طريقها إلى الإدارة والاقتصاد والتفاوض وإدارة الأزمات وصناعة القرار.

ومع ذلك، فإن القراءة المنصفة تقتضي وضع الكتاب في سياقه التاريخي؛ فهو نتاج عصر مختلف، ولا ينبغي التعامل معه كوصفة جاهزة لكل زمان ومكان، وإنما كمصدر ثري للتفكير الاستراتيجي، نستفيد من مبادئه مع إدراك اختلاف الواقع والقيم والظروف.

لقد أثبتت التجارب الإنسانية أن الانتصارات الكبرى لم تعد تتحقق بالسلاح وحده، بل بالعقل الذي يدير السلاح، وبالرؤية التي تسبق القرار، وبالحكمة التي تعرف متى تواجه ومتى تتجنب المواجهة.

وربما لهذا السبب تحديداً ما زلنا نعود إلى سون تزو بعد أكثر من ألفي عام؛ لا لنتعلم كيف نخوض معركة، بل كيف نتخذ قراراً أقل كلفة، وأكثر وعياً، وأبعد أثراً.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock