
تطبيق القانون بين الشفافية وردّ الحقوق.. العدالة فوق الجميع
بقلم سماح محروس
جاء الوقت لتثبت فيه مصرنا الغالية، من خلال مختلف مؤسساتها وجهاتها القضائية والنيابية وكافة مواقع المسؤولية، أننا أمام دولة قانون ومؤسسات، لا دولة أفراد، وأن سيادة القانون تظل الحصن الحقيقي لحماية المجتمع، وصون حقوق المواطنين، ورد المظالم، وتحقيق العدالة دون تفرقة.
فالدولة القوية ليست فقط تلك التي تمتلك القوانين، وإنما التي تطبقها على الجميع، وتمنح كل مواطن الشعور بأن حقه مصان، وأن هناك مؤسسات قادرة على الاستماع إلى شكواه والتحقيق فيها، ومحاسبة كل من يثبت تجاوزه أو مخالفته للقانون.
وحين تتعارض حقوق المواطنين ومصالحهم مع بعض التجاوزات أو الممارسات الخارجة عن الإطار القانوني، تصبح المحاسبة ضرورة، لا انتقامًا من أحد، وإنما حماية للمجتمع وترسيخًا لمبدأ أن القانون هو المرجعية التي يحتكم إليها الجميع.
ومن هنا تأتي أهمية الدور الذي تقوم به الجهات القضائية والنيابية والرقابية، فالقضاء العادل والشفاف يظل الملاذ الأخير لإنصاف المظلوم، ورد الحقوق إلى أصحابها، والفصل بين الادعاءات والحقائق وفق الأدلة والقانون.
وفي هذا السياق، فإن إحالة ملف شركات المحمول الأربع إلى النيابة تعكس أهمية التعامل الجاد مع ما يثار من وقائع أو مخالفات تمس حقوق المواطنين، على أن تظل الكلمة النهائية لجهات التحقيق والقضاء في إثبات المسؤولية من عدمها، بعيدًا عن الأحكام المسبقة.
وتزداد أهمية القضية عندما يتعلق الأمر ببيانات المواطنين ومعلوماتهم الشخصية، فحماية البيانات وسريتها لم تعد أمرًا ثانويًا في عصر التكنولوجيا، وإنما أصبحت حقًا أصيلًا للمواطن ومسؤولية كبيرة تقع على عاتق الجهات والمؤسسات التي تحتفظ بهذه المعلومات أو تتعامل معها.
وأي تحايل أو إساءة استخدام أو مساس ببيانات المواطنين، متى ثبت وفقًا للقانون، يستوجب المحاسبة والردع، لأن أمن المعلومات أصبح جزءًا أساسيًا من أمن المجتمع، وحماية خصوصية المواطنين ترتبط ارتباطًا وثيقًا بثقتهم في المؤسسات والخدمات التي يتعاملون معها.
وفي الوقت نفسه، فإن العدالة الحقيقية لا تتجزأ؛ فهي تحمي حق المواطن في الإنصاف، كما تضمن حق كل طرف في تحقيق عادل، وتؤكد أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، وأن القضاء وحده هو صاحب الكلمة الفاصلة وفقًا للأدلة والإجراءات القانونية.
إن ما نحتاج إليه دائمًا هو ترسيخ ثقافة سيادة القانون؛ فلا أحد فوق المساءلة، ولا ينبغي أن يضيع حق مواطن بسبب نفوذ أو منصب أو قوة اقتصادية، كما لا يجوز إدانة أحد دون دليل أو حكم قضائي. فهذه المعادلة هي جوهر دولة المؤسسات التي نريدها ونثق في قدرتها على حماية الجميع.
مصر التي نطمح إليها هي مصر التي يشعر فيها المواطن بالأمان على حقه وماله وبياناته وكرامته، ويعلم أن أبواب العدالة مفتوحة أمامه، وأن مؤسسات الدولة تقف على مسافة واحدة من الجميع، وأن أي تجاوز يجد طريقه إلى التحقيق والمحاسبة متى ثبت بالدليل.
وفي النهاية، تبقى رسالتنا واحدة: دعوا القانون يأخذ مجراه، ودعوا العدالة تقول كلمتها، ولتُرد الحقوق إلى أصحابها، فدولة المؤسسات لا تكتمل إلا بالشفافية والمحاسبة وسيادة القانون.
حفظ الله مصر، رئيسًا وجيشًا وشعبًا ومؤسسات، وحفظ قضاءها شامخًا ونزيهًا، وأعلى دائمًا راية الحق والعدالة.
فالعدل أساس الاستقرار.. والقانون فوق الجميع.



