أقلام حره

د بشار عيسى يكتب ؛ حقوق الإنسان

 

معظم البشر على اختلاف شرائحهم الاجتماعية يعانون ظروفاً اقتصادية و اجتماعية سيئة جداً كنقص الموارد و قلة الخدمات و الحرمان من الحد الأدنى من ظروف العمل المناسبة ، و لا تسمح كل القدرات الحكومية بالوفاء بكل حقوق المواطنين المعيشية و الاقتصادية و كذلك الاجتماعية و الخدمية ، و هناك مصاعب كبيرة و مشاكل جسيمة يتعين باستمرار التصدي لها و مواجهتها كقلة الإيرادات و توالي الضغوط الداخلية و الخارجية و التوترات في المناخات الدولية ، و تؤدي جملة تلك المصاعب إلى تأخير العمل بُغية إنجاز و تحقيق الضمانات الاجتماعية و الحياتية و الاقتصادية التي تقرها شتى المواثيق و الشرائع و الأعراف الدولية للشعوب و سائر الإنسانية . و لا يزال مبدأ الكفاية بعيداً عن التحقيق رغم أنه ظل لسنوات طويلة الشعار البراق الذي ترفعه بكل حماس أغلب الحكومات المتعاقبة ، و لا يمكن لمصطلح حقوق الإنسان أن يتحقق على مستوى الإنسانية جمعاء ما بقيت تلك الأوضاع الراهنة و لم تُمكن من حصد النجاح في سعيها نحو ترسيخ التنمية بكل صورها و أشكالها ، فالتنمية و حقوق الإنسان متكاملان و يدعم كل منهما الآخر بل إن أغلب الآراء و وجهات النظر لا تكتفي بالنظر إليهما كأمرين متكاملين و لكنها تعتبر أن التنمية في حد ذاتها تشكل حقاً إنسانياً أساسياً و يستند هذا القول فعلياً إلى مجموعة من المُبررات الأخلاقية و القانونية ، فالتنمية شرط وجود كل حياة اجتماعية و بالتالي يجب أن تصبح جزءاً لا ينفصم من كل التزام أو نشاط اجتماعي ، و تُعتبر التنمية كذلك حقاً إنسانياً للجميع ليمثل كعامل إيجابي في وجه شبح الفقر الذي يُؤدي في الغالب لموجات من العنف و الاضطرابات تحول دون الظفر بأهداف التنمية لتصبح حقوق الإنسان في نهاية المطاف غير مبررة و صعبة التحقيق .

إن وضع حق الإنسان في التنمية موضع التطبيق ليس أمراً هيناً لوجود سلسلة من المشاكل المهمة و التي يمكن تقسيمها إلى نوعين متميزين : داخلي و خارجي ، و من أبرز المشاكل الداخلية التي تعوق التنمية على وجه الخصوص هي :
– التخلف التقني و ترهل الإدارة و تراجع إنتاجية العاملين في عموم القطاعات و اختلال كفاءة النظام الضريبي و سوء تخطيط خريطة الاستثمارات نتيجة غياب التخطيط الجاد و الموضوعي .
– ضعف مشاركة المواطنين في المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و حتى السياسية بسبب غياب الثقة بالحكومة و ضعف مستوى الوعي الثقافي العام ، و أيضاً لتغييب المعلومات و إهمال نقلها و توصيلها باستمرار بوضوح و دقة و شفافية لكل شرائح المجتمع و أفراد الشعب .
– انتشار المشاكل البيئية و السكانية و التي يتعين دراستها و مواجهتها بصورة شبه دائمة بطريقة متأنية .
– سوء توزيع الدخل و نشوء و ظهور حالات طفيلية تستحوذ على جزء مهم و كبير من هذا الدخل دون أن يتناسب ذلك مع مشاركتها الشكلية في صميم العملية الإنتاجية .
– انتشار ظاهرة الفقر بشكل لافت و واضح حيث تظهر أغلب الدراسات أن غالبية فئات السكان تعيش على عتبة خط الفقر المتعارف عليه .
و أما بالنسبة للمشاكل الخارجية التي تُؤثر سلباً في حقوق التنمية للفرد فيمكن إيجازها في البنود التالية :
– حاجة الشعب لمجموعة من الواردات الحيوية التي تتضمن شتى السلع و مستلزمات الإنتاج و أيضاً رؤوس الأموال مع ملاحظة عدم كفاية الموارد المحلية لتغطية هذه الواردات مما يؤدي إلى خلل شبه مستديم و تزايد فلكي و جنوني في حجم المديونية.
– الصعوبات التي تُقلل من الفائدة المرجوة وراء عمليات نقل التكنولوجيا و الناتجة عن العقوبات و آثار الحصار و القيود المالية و الفنية المفروضة بقسوة و ظلم .
– سياسة الإغراق المُتبعة للأسواق المحلية تزامناً مع أساليب إغراء بعض المستهلكين بلائحة كبيرة من المنتجات مهما كانت ضآلة فائدتها العملية مما يهدد مستقبل معظم الصناعات المحلية التقليدية و اليدوية و التراثية و كذلك الاستهلاكية .

و بعد استعراض جملة المشاكل يتوجب النظر للإنسان على أنه موضوع عملية التنمية المحوري و ليس مجرد أداة من بين الأدوات المستخدمة فيها ، و احترام حقوقه هو أمر جوهري في عملية التنمية الحقيقية التي يتطلب تحقيقها إعطاء الأولوية لإشباع الحاجات الأساسية المادية و المعنوية لكل إنسان موجود في صفوف المجتمع ، و لا شك في أن تقوية التوجه الشعبي و المحلي لخطط التنمية الفاعلة يدعم بقوة ممارسات حقوق الإنسان بمستوياتها المختلفة .

و من كل ما سبق ينتهي الحديث إلى أن حق الإنسان في التنمية ليس محوره الدعوة لزيادة معدل النمو الاقتصادي قدر المستطاع أو مجرد تحسين الوضع الخارجي في العلاقات التجارية الإقليمية و الدولية أو حتى طلب المساعدات الخارجية و السعي لجذب الاستثمارات لرفد البناء و الإعمار ، و لكنه حق مركب يتطلب الحرص الكامل و الصادق على حماية جميع حقوق الإنسان الأساسية في إطارها الشامل مع ضمان توزيعها بعدالة بين الفئات الاجتماعية المختلفة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock