
سيكولوجية الرجل… لماذا أصبح متهمًا قبل أن يُفهم؟
بقلم: د. صفا أبو العزم
استشاري الصحة النفسية والإرشاد الأسري
لم يعد الخلاف بين الرجل والمرأة قائمًا على اختلاف الطباع فقط، بل أصبح قائمًا على اختلاف التفسيرات. ففي زمن تتدفق فيه النصائح النفسية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح كثير من الناس يفسرون السلوك الإنساني وفق قواعد جاهزة، وكأن العلاقات معادلات ثابتة لا تتأثر بالشخصية أو الثقافة أو الخبرات السابقة.
ولعل أكثر من تأثر بهذه الحالة هي المرأة، ليس لأنها أكثر خطأ، وإنما لأنها أصبحت تمتلك كمًا هائلًا من المعلومات، بعضها علمي، والكثير منها مجتزأ أو مبالغ فيه. فأصبح الرجل في أحيان كثيرة متهمًا قبل أن يُفهم، وصارت تصرفاته تُحلل من خلال مقاطع قصيرة وعناوين مثيرة، بدلًا من فهمها في سياقها النفسي والإنساني.
تختلف سيكولوجية الرجل عن سيكولوجية المرأة في طريقة معالجة المشاعر والتعبير عنها. فالرجل غالبًا ما يميل إلى التعبير بالفعل أكثر من الكلام، ويربط قيمته بقدرته على الإنجاز وتحمل المسؤولية، بينما تميل المرأة إلى التعبير اللفظي، وترى في الحوار والاهتمام المستمر دليلًا على الحب والأمان. وهنا تبدأ أولى نقاط سوء الفهم؛ فكل طرف يفسر سلوك الآخر وفق احتياجاته هو، لا وفق طبيعة الطرف المقابل.
حين يعود الرجل من يوم عمل شاق ويختار الصمت، قد ترى المرأة أن هذا الصمت رسالة ابتعاد أو برود، بينما يراه هو وسيلة لاستعادة توازنه النفسي. وحين تكثر المرأة من الأسئلة والحديث رغبةً في التقارب، قد يفسر الرجل ذلك على أنه ضغط أو تشكيك، بينما تكون هي في الحقيقة تبحث عن الشعور بالاحتواء.
إن المشكلة ليست في الصمت أو الكلام، بل في الترجمة الخاطئة لهذه السلوكيات.
ومع انتشار المحتوى الرقمي، أصبحت المرأة تسمع عبارات مثل: “إذا لم يلاحقك فهو لا يحبك”، أو “تجاهليه ليزداد تعلقًا بك”، أو “الرجل لا يقدر إلا المرأة التي تهمله”. هذه الرسائل، رغم انتشارها، تفتقر إلى الأساس العلمي. فالعلاقات الصحية لا تُبنى على الألعاب النفسية، بل على الثقة، والوضوح، والاتزان.
الإهمال المتعمد ليس وسيلة للحفاظ على الحب، كما أن الاهتمام المفرط ليس ضمانًا لاستمرار العلاقة. فكلا الطرفين قد يتحول إلى عبء إذا فقد توازنه. الاهتمام الصحي هو الذي يمنح الطرف الآخر شعورًا بالأمان دون أن يسلبه استقلاليته، أما الإهمال المقصود فيزرع الشك ويهدم الثقة، حتى وإن حقق استجابة مؤقتة.
ومن أكثر الأخطاء شيوعًا أن بعض النساء يعتقدن أن الرجل يفكر بالطريقة نفسها التي يفكرن بها. فإذا نسي مناسبة مهمة، اعتبرن ذلك دليلًا على ضعف الحب، بينما قد يكون منشغلًا بضغوط العمل أو مسؤوليات الحياة. وإذا لم يكثر من كلمات الإعجاب، اعتقدن أن مشاعره تغيرت، بينما قد يكون مقتنعًا بأن أفعاله اليومية تغني عن كثير من الكلمات.
وهذا لا يعني أن الرجل معفى من المسؤولية؛ فالكثير من الرجال يظنون أن توفير الاحتياجات المادية وحده يكفي لبناء علاقة مستقرة، وينسون أن المرأة تحتاج أيضًا إلى حضور عاطفي، وإصغاء، وكلمة طيبة، وإحساس بأنها شريكة وليست مجرد فرد يؤدي دورًا داخل الأسرة.
إن العلاقة الناجحة لا تقوم على أن ينتصر أحد الطرفين في فهم الآخر، وإنما على أن يتعلم كل منهما لغة شريكه. فكما نتعلم لغة بلد نسافر إليه، تحتاج العلاقات إلى تعلم اللغة النفسية للطرف الآخر؛ كيف يغضب، وكيف يهدأ، وكيف يطلب الحب، وكيف يعبر عن خوفه، وكيف يحتاج إلى الدعم.
الوعي الحقيقي لا يعني أن نبحث عن عيوب الرجل في كل موقف، ولا أن نبرر أخطاءه، بل أن نفرق بين الاختلاف الطبيعي والسلوك المؤذي. فليس كل رجل قليل الكلام بارد المشاعر، وليس كل رجل كثير الاهتمام صادق النوايا. كما أن المرأة التي تطلب الاهتمام ليست ضعيفة، والرجل الذي يحتاج إلى مساحة من الهدوء ليس بالضرورة هاربًا من العلاقة.
إن أخطر ما تواجهه العلاقات اليوم ليس نقص الحب، بل كثرة الأحكام السريعة. أصبحنا نحلل الأشخاص قبل أن نستمع إليهم، ونطلق التصنيفات قبل أن نفهم دوافعهم، حتى تحولت العلاقات إلى ساحات لإثبات من المخطئ، بدلًا من أن تكون مساحات للفهم والتقارب.
العلاقة الناضجة لا تحتاج إلى امرأة تتعمد الإهمال حتى تشعر بقيمتها، ولا إلى رجل يخفي مشاعره حتى يحافظ على هيبته. إنها تحتاج إلى شريكين يمتلكان الشجاعة للتعبير، والقدرة على الإنصات، والوعي بأن الاختلاف في طريقة التفكير ليس تهديدًا للعلاقة، بل جزء من طبيعة البشر.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يستحق أن نتوقف أمامه: هل نبحث عن فهم الطرف الآخر، أم نبحث فقط عن دليل يدين تصرفاته؟
فحين يتحول الوعي إلى أداة للفهم، تزدهر العلاقات. أما حين يتحول إلى وسيلة لإصدار الأحكام، فإننا لا نخسر شريكًا فقط، بل نخسر فرصة حقيقية لبناء علاقة قائمة على الرحمة والاحترام، وهي الركائز التي تمنح أي علاقة القدرة على الاستمرار في عالم يتغير كل يوم.



