مدحت الحلفاوى يكتب : 23 يوليو… يوم قررت مصر أن تنهض
هناك أوطان تصنعها الجغرافيا. وهناك أوطان يصنعها الرجال.
أما مصر فقد صنعها التاريخ وحماها أبناؤها.
لذلك لم تكن ثورة الثالث والعشرين من يوليو مجرد صفحة في كتاب التاريخ. بل كانت لحظة فارقة أعلن فيها الوطن أنه قادر على أن يكتب مستقبله بيده وأن يصنع قراره بإرادة شعبه وأن يحمي كرامته بقوة أبنائه.
حين بزغ فجر الثالث والعشرين من يوليو لم يكن المصريون يبحثون عن تغيير أسماء أو وجوه. كانوا يبحثون عن وطن يستعيد مكانته وكرامته. فجاءت الثورة لتفتح أبواب مرحلة جديدة أعادت الاعتبار لفكرة الدولة الوطنية ورسخت قيم الاستقلال والعدالة والكرامة. ومنذ تلك اللحظة بدأت مصر تسير في طريق اختارته بنفسها لا كما أراده لها الآخرون.
ومن قلب تلك الثورة خرجت حقيقة لا تزال راسخة حتى اليوم. أن الجيش المصري لم يكن يوما جيشا يبحث عن سلطة أو مجد شخصي. بل كان وسيظل جيشا وطنيا ولد من رحم هذا الشعب وعاش بين أبنائه وحمل على عاتقه مسؤولية الدفاع عن الأرض وصون الدولة وحماية الهوية المصرية. كلما تعرض الوطن للخطر كان الجيش في المقدمة يقدم الشهداء قبل الكلمات ويصنع الأمن قبل الشعارات.
ولأن حماية الوطن لا تتحقق إلا بتكامل مؤسساته. وقف رجال الشرطة المصرية في الصف ذاته يحملون رسالة لا تقل شرفا ولا تضحية. واجهوا الإرهاب والجريمة والفوضى بصدور مفتوحة وإيمان لا يتزعزع بأن أمن المواطن هو أساس بقاء الدولة. وامتزجت دماء شهداء الجيش والشرطة على أرض مصر لتكتب بمداد الفخر أن لهذا الوطن رجالا إذا ناداهم الواجب لبوا النداء دون تردد.
ولم تكن ثورة يوليو نهاية الطريق. بل كانت بداية رحلة طويلة لا تزال مستمرة. فالأوطان لا تنتصر مرة واحدة. وإنما تنتصر كل يوم حين تحافظ على وحدتها وتقف خلف مؤسساتها وتواجه الشائعات بالوعي والإرهاب بالقوة والعمل بالإخلاص. وهكذا بقيت مصر واقفة بينما سقطت دول حولها لأن أبناءها أدركوا أن الدولة إذا انهارت فلن ينجو أحد.
واليوم ونحن نستحضر ذكرى الثورة لا نقف عند حدود الماضي ولا نكتفي باستدعاء البطولات. بل ننظر إلى حاضر يبنى وإلى مستقبل يرسم بإرادة المصريين. فكل طريق جديد وكل مدينة حديثة وكل مشروع قومي وكل إنجاز يتحقق هو حلقة جديدة في سلسلة بناء الدولة المصرية التي بدأت منذ أن قررت مصر أن تنهض وأن تعتمد على سواعد أبنائها.
لقد علمتنا السنوات الأخيرة أن الحفاظ على الوطن ليس مهمة مؤسسة واحدة ولا مسؤولية جيل واحد. بل هو عهد تتوارثه الأجيال. جيش يحمي الحدود. وشرطة تحفظ الأمن. وقيادة تتحمل مسؤولية القرار. وشعب واع يدرك أن قوة الدولة هي الضمان الحقيقي لمستقبل أبنائه. لذلك فإن الوقوف خلف مؤسسات الدولة الوطنية ليس مجاملة لأحد. وإنما انحياز صادق لمصر واستقرارها ومستقبلها.
وفي ذكرى الثالث والعشرين من يوليو ننحني إجلالا لأرواح كل الشهداء الذين كتبوا بدمائهم صفحات المجد. ونرفع رؤوسنا فخرا بقواتنا المسلحة وشرطتنا الباسلة وكل يد مخلصة تعمل من أجل هذا الوطن. وندعو الله أن يحفظ مصر قيادة وشعبا وجيشا وشرطة وأن يديم عليها نعمة الأمن والاستقرار وأن تبقى رايتها خفاقة فوق كل التحديات.
إذا كانت ثورة 23 يوليو قد علمتنا أن الأوطان تسترد بالإرادة فإن حاضر مصر يعلمنا أن الأوطان تبنى بالعمل وتحفظ بالوعي وتصان بجيش لا يعرف إلا الشرف وشرطة لا تعرف إلا الواجب وشعب لا يعرف إلا حب وطنه. تلك هي مصر التي كانت وستظل أكبر من المؤامرات وأقوى من التحديات وأبقى من كل من راهن على سقوطها.
حفظ الله مصر. وحفظ جيشها العظيم. وحفظ شرطتها الباسلة. وحفظ قيادتها الحكيمة. وجعل هذا الوطن دائما واحة للأمن والعزة والكرامة.



