
مدحت الحلفاوي يكتب: زنزانة الوفاء.. حين يصبح الصمت أمانة
ليست كل السجون من حجر وحديد. فهناك سجون تبنى داخل القلب وتغلق أبوابها على الذكريات والعهود والكلمات التي لم تجد طريقها إلى البوح.
وفي داخل تلك الزنازين الخفية يعيش الوفاء وحيدا يحرس ما تبقى من أثر ويصون ما عجز الزمن عن انتزاعه. هناك حيث يصبح الصمت لغة ويصبح الألم رفيقا لا يغادر تتشكل حكايات لا يرويها أحد لكنها تترك في الروح ما لا تمحوه السنوات.
هناك لحظات يطبق فيها العالم قضبانه على الصدر دون إنذار فتغدو الروح ثقيلة وتبحث العيون في زوايا العتمة عن مأوى لدموع استعصت على الانكسار. في تلك اللحظات يثقل الزمن وتتحول الثواني إلى أصفاد غير مرئية فنكتشف أن بعض الألم ليس عابرا بل هو وطن نسكنه ويسكننا.
لقد حفظت الأسرار كأنها نبضات قلبي وسرت في صمت على دروب الوفاء الوعرة.
وكم من مرة حملت ذلك الوجع في داخلي ومضيت بين الناس بوجه هادئ لا يكشف شيئا.
كان الجميع يرون الصمت ولا يرون المعارك التي تدور خلفه. ولا يسمعون تلك الأصوات التي كانت تعبر الذاكرة كلما مر طيف عابر أو حضرت لحظة تشبه ما كان يوما. فبعض الذكريات لا ترحل مهما ابتعدت عنها.
إنها تسكن في التفاصيل الصغيرة وتعود دون استئذان كلما ظنت الروح أنها تجاوزتها.
كل أثر تركه الراحلون كان نصلا يحاول النيل من الروح لكنه لم يزدها إلا وجعا نبيلا ونزفا صامتا لا يراه أحد ولا يحتمله إلا من خلق للصدق.
بعض الجروح لا تطلب شفاء. ولا تحتمل حتى شفافية الكلمات. هنا لا يكون الصمت ضعفا بل اختيارا يعرف قدر الوفاء الذي يرفض الموت.
وفي ظلاله يختبئ القلب يهمس بحنين لا ينتهي ويتحمل خذلان الواقع بكبرياء لا يرى وصراخ مكتوم لا تسمعه إلا نفس اعتادت الصبر.
كنت أظن الصمت ملاذا آمنا. لكن في كل مرة يطرق فيها صدى الماضي باب الذاكرة تعود الجروح لتتنفس تحت رماد السنين. لا لتذرف بل لتعلن أن العهد ما زال حيا.
وأحيانا يكفي الصمت. أحيانا يصبح الوفاء عبئا أثقل من الجرح نفسه. ومع ذلك لم أستطع التخلي عنه ولا عن أمانتي ولا عن ذلك الاحترام الذي أحمله في صدر لا يعرف حقيقته إلا خالقه.
لم يكن الوفاء يوما طريقا سهلا. بل كان امتحانا طويلا للنفس وهي تقاوم الرغبة في النسيان. فكم من مرة كان الرحيل أسهل وكم من مرة بدا التخلي أقل وجعا. لكن القلوب التي تربت على الصدق لا تعرف كيف تبدل مواقفها ولا كيف تتنكر لما آمنت به. تبقى على عهدها حتى وإن دفعت الثمن وحدها.
تمضي الأيام وتبتعد الوجوه كأطياف حلم حزين. وتتعلم الروح كيف تتعايش مع الألم كأنه رفيق درب نقتسم معه مرارة العمر وحلاوته ونعتاد حفظ الأسرار كما نعتاد أنفاسنا.
ومع مرور العمر نتعلم أن بعض الخسارات لا تعوض. وأن بعض الأماكن التي تركتها الأرواح في قلوبنا تظل فارغة مهما ازدحمت الحياة من بعدها. فنعتاد الغياب كما نعتاد الحضور. ونتعلم كيف نبتسم رغم النقص وكيف نواصل الطريق رغم ما نحمله من أثقال لا يراها أحد.
نستمر. حتى وإن يئن القلب وتصرخ الروح طلبا لراحة نعلم أنها لا تأتي إلا حين نصالح أنفسنا.
الألم هنا ليس شعورا عابرا. إنه إرث من النبل ومن ثقة لم تكسر رغم صفعات الزمن ورغم أن اللقاء الأخير ترك فينا ندبة لا تنسى.
إنها أمانة الجرح. لا تحتاج إلى علاج بل إلى اعتراف صامت بقوة الروح أمام الخيبات.
وفي عمق هذا السجن تظل الروح صافية ويظل الوفاء قائما لا ينحني حتى وإن غسلت الدموع وجوهنا في الخفاء.
إن الوفاء في زمن الخيبات ليس اختيارا سهلا. بل هو ضريبة النبل التي ندفعها من أعمارنا وقلوبنا راضين.
فسلام على تلك القلوب التي لم تلوثها مرارة الغدر. وسلام على أرواح اختارت الصمت سترا والجرح وساما والصدق طريقا لا رجعة فيه حتى يكتب الله لها سكينة أو استراحة محارب طال انتظاره.
وربما لا يكون الانتصار الحقيقي أن ننسى. بل أن نستطيع مواصلة الحياة دون أن نفقد نقاء ما في داخلنا. أن يبقى الوفاء وفاء رغم الخذلان. وأن يبقى الصدق صدقا رغم قسوة التجارب. وأن تظل الروح متمسكة بما تؤمن به مهما تبدلت الوجوه وتعاقبت السنوات.
فاللهم اجعل لنا من كل وجع سكينة. ومن كل صبر فرجا. ومن كل ذكرى مؤلمة نورا نهتدي به إلى سلام القلب وطمأنينة الروح.
اللهم صبرا على جراح اخترنا أن نصونها وسكينة تملأ ما تفرغ من أرواحنا وعوضا يرمم ما أفسده الزمان.



