
المحور السني ينهض من جديد.. تعاون مصري تركي يعيد التوازن للمنطقة ويثير المخاوف الإسرائيلية
كتب حماده عثمان
في لحظة إقليمية فارقة تشهد فيها منطقة الشرق الأوسط تغيرات متسارعة في موازين القوى والتحالفات، يبرز التقارب المصري التركي كواحد من أهم التطورات السياسية والاستراتيجية التي قد تعيد رسم خريطة المنطقة خلال السنوات المقبلة.
فبعد سنوات من التباعد والخلافات السياسية، نجحت القاهرة وأنقرة في فتح صفحة جديدة تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، لتنتقل العلاقات من مرحلة استعادة الثقة إلى مرحلة الشراكة والتنسيق في ملفات تمس الأمن القومي للمنطقة بأكملها.
ويكتسب هذا التقارب أهمية استثنائية لأن مصر وتركيا تمثلان قوتين محوريتين في العالم الإسلامي والشرق الأوسط، بما تمتلكانه من ثقل سكاني واقتصادي وعسكري وسياسي. وعندما تتفق رؤى البلدين تجاه القضايا الإقليمية الكبرى، فإن تأثير ذلك يتجاوز حدودهما ليشمل المنطقة بأسرها.
ومع تصاعد التوترات الإقليمية واتساع رقعة الصراعات، بدأت ملامح ما يصفه بعض المراقبين بـ”المحور السني المعتدل” في الظهور مجددًا، مستندًا إلى التعاون بين القوى الإقليمية الكبرى الساعية إلى تحقيق الاستقرار والحفاظ على توازن القوى ومنع انزلاق المنطقة نحو مزيد من الفوضى والاضطرابات.
وتأتي القضية الفلسطينية في مقدمة الملفات التي تمنح هذا التقارب أهمية إضافية، خاصة في ظل استمرار الحرب في غزة وتزايد المطالب الدولية بضرورة التوصل إلى حلول سياسية عادلة تضمن الأمن والاستقرار للجميع. وفي هذا السياق، يمثل التنسيق المصري التركي عنصرًا مهمًا في دعم الجهود الدبلوماسية والإنسانية الرامية إلى احتواء الأزمات المتفاقمة.
وفي المقابل، تنظر إسرائيل إلى هذه التحولات بعين القلق والترقب. فالتقارب بين أكبر قوتين في شرق المتوسط والعالم الإسلامي قد يخلق واقعًا سياسيًا جديدًا يحد من قدرة أي طرف على الانفراد بالتأثير في مستقبل المنطقة، ويعزز من حضور القوى الإقليمية في معادلات الأمن والاستقرار.
كما أن التعاون المتزايد بين القاهرة وأنقرة في مجالات الاقتصاد والطاقة والنقل والتجارة يفتح الباب أمام تشكيل كتلة إقليمية مؤثرة تمتلك أدوات سياسية واقتصادية قادرة على تعزيز الاستقرار ودفع عجلة التنمية في منطقة عانت طويلًا من الصراعات والأزمات.
ورغم أن الطريق لا يزال طويلًا أمام بناء شراكة استراتيجية كاملة، فإن المؤشرات الحالية تؤكد أن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة جديدة تتشكل فيها التحالفات وفق منطق المصالح المشتركة لا الخلافات التقليدية، وأن التعاون المصري التركي قد يصبح أحد أهم العوامل المؤثرة في مستقبل المنطقة خلال العقد القادم.
ويبقى السؤال المطروح: هل يشكل هذا التقارب بداية لولادة نظام إقليمي جديد أكثر توازنًا واستقرارًا، أم أن تعقيدات الشرق الأوسط ستفرض تحديات جديدة أمام هذه الشراكة الصاعدة؟ الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة.



