أقلام حره

نهال الشافعي : انتخابات نقابة الإعلاميين ليست معركة مقاعد.. بل معركة معايير ومستقبل مهنة

بقلم / د.نهال الشافعى
باحثة فى الشئون السياسية والاستراتيجية

في الماضي، كان الإعلامي يبحث عن الشاشة بعد أن يصنع اسمه. أما اليوم، فقد أصبح البعض يصنع اسمه فقط لأنه ظهر على الشاشة.

قد تبدو العبارة قاسية، لكنها تعكس جانبًا من التحولات التي أصابت المشهد الإعلامي خلال السنوات الأخيرة، حيث لم تعد الأزمة الحقيقية في نقص المنصات أو قلة الفرص، بل في اختلاط المعايير واختفاء الحدود الفاصلة بين الإعلام كمهنة، والظهور كوسيلة للشهرة.

ومن هنا تكتسب انتخابات نقابة الإعلاميين المقبلة أهمية تتجاوز كثيرًا حدود التنافس على المقاعد أو المواقع النقابية. فالقضية ليست مجرد اختيار مجلس جديد، بل تتعلق بسؤال أكبر وأكثر عمقًا: كيف نحافظ على قيمة المهنة في زمن تغيرت فيه طبيعة الإعلام نفسه؟

لقد شهدت السنوات الأخيرة تحولات غير مسبوقة في صناعة الإعلام. فمواقع التواصل الاجتماعي أعادت تشكيل قواعد التأثير، وصناعة المحتوى خلقت واقعًا جديدًا، والذكاء الاصطناعي بدأ يفرض تحديات غير مسبوقة على المهنة. وفي خضم هذه المتغيرات، أصبح من الضروري إعادة التأكيد على ما يميز الإعلام المهني عن أي شكل آخر من أشكال الظهور.

وعلى مدار السنوات الماضية، أدت نقابة الإعلاميين دورًا مهمًا خلال مرحلة التأسيس والبناء، وساهمت في وضع اللبنات الأولى لتنظيم المهنة وترسيخ حضورها المؤسسي. ولا يمكن إغفال الجهود التي بُذلت من أجل تأسيس كيان نقابي يمثل الإعلاميين ويحافظ على حقوقهم ويضع إطارًا مهنيًا ينظم ممارسة المهنة.

لكن طبيعة اللحظة الراهنة تفرض استحقاقًا جديدًا. فبعد سنوات من العمل التأسيسي، يبدو أن الأوان قد حان للانتقال إلى مرحلة أكثر اتساعًا وتأثيرًا، عنوانها المشاركة الأوسع، وتجديد الرؤى، وتمكين الجمعية العمومية من اختيار من يمثلها ويعبر عن طموحاتها المهنية في مواجهة تحديات باتت أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.

ولعل من أخطر الظواهر التي فرضتها السنوات الأخيرة ذلك الخلط بين الإعلام والانتشار، وبين المهنية والشهرة. فقد ظهرت نماذج إعلامية جديدة، بعضها يستحق الاحترام والتقدير، لكن بعضها الآخر استفاد من حالة السيولة التي يشهدها المشهد الإعلامي، حتى أصبح الظهور المتكرر لدى البعض بديلًا عن الخبرة، وأصبحت الشاشة في بعض الحالات تمنح ألقابًا أسرع مما تمنحها سنوات العمل والتأهيل.

ولا يمكن تجاهل أن بعض البرامج في عدد من القنوات الخاصة اتجهت إلى نماذج تعتمد على المساحات المدفوعة أو الظهور بمقابل، وهو أمر قد يكون مفهومًا من منظور استثماري أو اقتصادي. لكن المشكلة تبدأ عندما يختلط الإعلان بالإعلام، وعندما تتحول الشاشة من منصة لاختيار أصحاب الكفاءة والخبرة إلى مساحة تمنح شرعية جماهيرية لمن يملك القدرة على الظهور أكثر ممن يملك القدرة على الإضافة.

فالإعلام الحقيقي لا يُقاس بعدد مرات الظهور، وإنما بحجم التأثير الإيجابي الذي يتركه في المجتمع. وهناك فارق كبير بين من يستخدم الشاشة لنقل المعرفة وصناعة الوعي، وبين من يستخدمها لبناء صورة شخصية أو اكتساب صفة مهنية لا تستند إلى تجربة حقيقية أو مسار واضح.

هنا يصبح السؤال مشروعًا: كيف يمكن الحفاظ على هيبة المهنة إذا أصبح الجمهور غير قادر على التمييز بين الإعلامي الذي صنعته الخبرة والمعرفة، وبين من صنعه الظهور فقط؟

إن الإعلام ليس مجرد كاميرا أو ميكروفون أو عدد من المتابعين. الإعلام مسؤولية تتعلق بتشكيل الوعي العام والتأثير في الرأي العام والتعامل مع قضايا تمس حياة المواطنين بشكل مباشر. فالإعلام يناقش الاقتصاد والتعليم والصحة والثقافة والتنمية وقضايا المجتمع اليومية، كما يتعامل مع الملفات الوطنية والاستراتيجية التي تحتاج إلى قدر كبير من الوعي والمسؤولية والدقة.

كما أن الإعلام لم يعد بعيدًا عن قضايا الأمن القومي، في ظل عالم أصبحت فيه المعلومة جزءًا من الصراعات الدولية، وأصبحت الشائعة إحدى أدوات التأثير السياسي والاجتماعي. وهو ما يفرض أهمية إعداد إعلاميين يمتلكون الوعي بطبيعة التحديات التي تواجه الدولة والمجتمع، ويستطيعون التمييز بين حرية الرأي والمسؤولية المهنية، وبين النقد الموضوعي والممارسات التي قد تضر بالوعي العام أو بالمصلحة الوطنية.

ولهذا فإن النقابة مطالبة اليوم بأكثر من مجرد أداء دورها التقليدي. فهي مطالبة بأن تكون حارسًا للمعايير المهنية، ومدافعًا عن قيمة التأهيل والخبرة، وشريكًا في تطوير المهنة بما يتناسب مع المتغيرات الجديدة التي يشهدها العالم.

لكن الحديث عن المعايير لا يكتمل دون الحديث عن التجديد. فالمؤسسات التي تتوقف عن تجديد دمائها تفقد تدريجيًا قدرتها على التطور. والخبرة تظل عنصرًا أساسيًا لا غنى عنه، لكنها لا تتعارض أبدًا مع منح الفرصة لكفاءات جديدة تمتلك الرؤية والطموح والقدرة على العطاء.

والدولة المصرية أثبتت خلال السنوات الماضية أنها مليئة بالكفاءات الشابة في مختلف المجالات، والإعلام ليس استثناءً. فهناك أجيال جديدة تمتلك أدوات عصرية وخبرات مهنية وقدرات حقيقية تستحق أن تجد طريقها إلى مواقع التأثير وصناعة القرار النقابي والمهني.

والتجديد هنا لا يعني إقصاء الخبرات، كما أن الخبرة لا يجب أن تتحول إلى احتكار للفرص. فالمعادلة الناجحة دائمًا هي التي تجمع بين حكمة التجربة وطاقة الشباب، وبين التراكم المهني والأفكار الجديدة.

ولعل ما يميز هذه الانتخابات عن غيرها أنها تأتي في لحظة مفصلية تشهد فيها المهنة تحولات غير مسبوقة. فالمجلس القادم لن يكون مطالبًا فقط بإدارة ملف نقابي أو تقديم خدمات للأعضاء، وإنما سيكون مطالبًا بالمساهمة في صياغة رؤية جديدة لمستقبل الإعلام المصري. رؤية تجيب عن أسئلة أصبحت ملحة: كيف نعيد الاعتبار للكفاءة؟ وكيف نطور أدوات الإعلاميين؟ وكيف نحافظ على المهنية في عصر المنصات الرقمية؟ وكيف نصنع بيئة تسمح للكفاءات الحقيقية، خاصة من الأجيال الجديدة، بالوصول إلى مواقع التأثير دون أن تفقد المهنة هويتها أو معاييرها؟

فالمعركة الحقيقية لم تعد بين القديم والجديد، ولا بين الخبرة والشباب، بل بين من يمتلك مشروعًا لتطوير المهنة ومن يكتفي بإدارة الواقع كما هو. ولهذا فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى عقول تمتلك رؤية، وخبرات قادرة على البناء، ووجوه جديدة تحمل أفكارًا تواكب التغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم الإعلامي.

ومع اقتراب انتخابات نقابة الإعلاميين، يبقى الرهان الحقيقي ليس على الأشخاص بقدر ما هو على الأفكار والرؤى والقدرة على استشراف المستقبل. فالمهنة التي تصنع الوعي لا تحتاج فقط إلى من يحمي معاييرها، بل إلى من يعيد الاعتبار للكفاءة، ويؤمن بأن الخبرة قيمة، وأن التجديد ضرورة، وأن الدولة التي تمتلك هذا الكم من الكفاءات الشابة تستحق أن تجد هذه الكفاءات طريقها إلى المشاركة والتأثير وصناعة المستقبل.

لأن مستقبل الإعلام لن تصنعه الشهرة، بل تصنعه الكفاءة، ولن يحميه الظهور، بل تحميه المعايير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock