أخبار مصر

د نهال الشافعى تكتب . حين تُحاكَم الرحمة

 

بقلم / د. نهال الشافعي
باحثة في الشئون السياسية والاستراتيجية

ليست خطورة بعض القضايا المجتمعية في طبيعتها بقدر ما تكمن في الطريقة التي يتعامل بها المجتمع معها. فالمشكلات مهما بلغت تعقيداتها يمكن إدارتها ومعالجتها عبر المؤسسات والقانون، لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما تتحول الأزمات إلى مبرر لتبرير العنف أو تجاوز الدولة أو إضعاف منظومة القيم التي تحفظ تماسك المجتمع.

وينطبق ذلك على ملف الحيوانات الحرة، الذي عاد خلال الفترة الأخيرة إلى واجهة النقاش العام بعد عدد من الوقائع التي أثارت مخاوف المواطنين ودفعت البعض إلى المطالبة بحلول عاجلة. ولا شك أن الشعور بالأمان حق أصيل لكل مواطن، وأن أي مخاوف تتعلق بالسلامة العامة تستحق التعامل معها بجدية ومسؤولية. لكن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في معالجة المشكلة، بل في الكيفية التي نختار بها مواجهتها.

فالدولة الحديثة لا تُدار بردود الأفعال أو الاجتهادات الفردية، وإنما من خلال مؤسسات مختصة تمتلك الأدوات القانونية والعلمية اللازمة للتعامل مع القضايا المختلفة. ولذلك فإن احترام القانون ودعم جهود الدولة يظلان الضمانة الأساسية للوصول إلى حلول مستدامة تحقق المصلحة العامة وتحافظ على الاستقرار المجتمعي.

ومن هنا، فإن الدعوات التي تروج للتخلص من الحيوانات الحرة عبر وسائل فردية أو خارج الأطر القانونية لا تمثل حلًا حقيقيًا بقدر ما تطرح إشكالية أوسع تتعلق بثقافة احترام القانون. فحين يعتاد المجتمع البحث عن حلول خارج المؤسسات، يصبح الخطر أكبر من المشكلة نفسها، لأنه يمس الثقة في الدولة وقدرتها على إدارة الشأن العام.

وما يدعو إلى القلق أن بعض المشاهد التي تتكرر عبر مواقع التواصل الاجتماعي لم تعد تقتصر على عرض وقائع مرتبطة بالمشكلة، بل امتدت أحيانًا إلى نشر مشاهد تسميم أو إيذاء للحيوانات والتعامل معها باعتبارها أمرًا طبيعيًا أو حلًا مشروعًا. والأخطر من ذلك أن بعض هذه المضامين باتت تصل إلى الأطفال والناشئة، في وقت يفترض أن تعمل الأسرة والمدرسة ومؤسسات التنشئة المختلفة على ترسيخ قيم الرحمة واحترام الحياة والالتزام بالقانون. فالمجتمعات لا تُبنى فقط بالقواعد القانونية، وإنما أيضًا بالمنظومة الأخلاقية التي تشكل وعي الأجيال الجديدة.

كما أن اللجوء إلى تفسيرات انتقائية لبعض النصوص الدينية لتبرير القسوة أو العنف يطرح إشكالية لا تقل خطورة. فالقضايا المجتمعية لا تُدار باجتزاء النصوص أو توظيفها لخدمة مواقف مسبقة، وإنما من خلال فهم متكامل يراعي المقاصد العامة للدين وقيم الرحمة والعدل والمسؤولية. فالدين الذي دعا إلى الرحمة والإحسان واحترام الحياة لا يمكن أن يتحول إلى أداة لتبرير الكراهية أو العنف أو تجاوز القانون.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية الدور الذي تقوم به المؤسسات الدينية المعتمدة في تصحيح المفاهيم المغلوطة ومواجهة التأويلات الخاطئة التي تُستخدم أحيانًا لإضفاء شرعية على ممارسات تتعارض مع القيم الدينية والإنسانية. كما يظل الإعلام شريكًا أساسيًا في بناء الوعي المجتمعي، من خلال تقديم معالجة مهنية متوازنة تسهم في تهدئة النقاش العام وتوجيهه نحو الحلول الواقعية بدلًا من الانفعال والاستقطاب.

كما أن المؤسسات والجهات المعنية تتحمل مسؤولية مهمة في مواجهة أي مظاهر للتحريض أو نشر الكراهية أو الدعوة إلى العنف خارج إطار القانون، سواء عبر وسائل الإعلام أو منصات التواصل الاجتماعي. فالحفاظ على السلم المجتمعي يتطلب موقفًا واضحًا وحازمًا يضمن ألا تتحول المخاوف المشروعة إلى مبرر للتطبيع مع العنف أو التحريض عليه.

ولعل ما يستحق التوقف عنده أن بعض القضايا الحساسة أصبحت تُستغل أحيانًا لإثارة الرأي العام وتأجيج الانقسام المجتمعي وتحويل النقاشات الطبيعية إلى ساحات للتراشق والتحريض. وهي ظاهرة تبدو بعيدة عن الشخصية المصرية التي عُرفت تاريخيًا بالاعتدال والتسامح والتكافل الاجتماعي، وبقدرتها على معالجة الخلافات دون السقوط في خطاب الكراهية أو الدعوة إلى الإيذاء.

وما يثير التأمل أن بعض مظاهر الرحمة البسيطة، كإطعام حيوان جائع أو توفير الماء له، أصبحت أحيانًا محل انتقاد أو سخرية أو اتهام. وهنا لا تصبح القضية مرتبطة بحيوان في الشارع بقدر ما ترتبط بمنظومة القيم التي تحكم العلاقات داخل المجتمع. فالرحمة ليست موقفًا ضد الإنسان، كما أن حماية الإنسان لا تستلزم التخلي عن القيم الأخلاقية التي يقوم عليها المجتمع.

لقد أثبتت التجارب أن المجتمعات القوية ليست تلك التي تتخلص من مشكلاتها بأسرع الوسائل أو أكثرها قسوة، وإنما تلك التي تعالجها عبر مؤسساتها وقوانينها وتحافظ في الوقت نفسه على قيمها الإنسانية. فالقوة الحقيقية لا تُقاس بقدرة المجتمع على العقاب، بل بقدرته على تحقيق التوازن بين الحزم والقانون والرحمة.

وفي النهاية، فإن القضية تتجاوز ملف الحيوانات الحرة ذاته لتطرح سؤالًا أوسع يتعلق بطبيعة المجتمع الذي نريده للأجيال القادمة. هل نريد مجتمعًا تحكمه الانفعالات والحلول الفردية، أم مجتمعًا يحتكم إلى القانون ويثق في مؤسساته ويحافظ على قيمه الإنسانية؟ إن احترام القانون ودعم مؤسسات الدولة والتمسك بقيم الرحمة ليست مسارات متعارضة، بل ركائز متكاملة لبناء مجتمع مستقر ومتوازن.

وعندما تُحاكَم الرحمة أو يُنظر إليها باعتبارها تهمة، فإن الأمر لا يتعلق بمصير حيوان في الشارع، بل بمصير منظومة القيم ذاتها. فالمجتمعات التي تتسامح مع التحريض على العنف أو تبرره تحت أي مسمى تخاطر بفقدان جزء من إنسانيتها. أما المجتمعات التي تتمسك بالقانون وتحافظ على الرحمة كقيمة أصيلة، فهي الأقدر على حماية الإنسان وصون استقرار الدولة والحفاظ على تماسكها الأخلاقي .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock