
مدحت الحلفاوي يكتب: أثر غائب لا يطويه الغياب
ثمة غياب يترك في الروح فراغا لا يملؤه ضجيج العالم ولا تعوضه أضواء النجاح. عندما يرحل من شاركنا خطوتنا الأولى وامتزج نبضه بأحلامنا نجد أنفسنا نقف في منتصف الطريق بين وجع الفقد وجلال الذكرى.
هذا الرحيل الصامت ليس نهاية المطاف بل هو بداية لنوع آخر من الوجود حيث يصبح الغائب هو الحاضر الأقوى في كل تفاصيل حياتنا.
يخطئ من يظن أن حضور الأشخاص في حياتنا يقتصر على حدود وجودهم المادي أو أن خيوط التأثير تنقطع بمجرد غياب أجسادهم عن المشهد.
إن الحقيقة الأعمق التي تشهد عليها مسارات الإبداع والنجاح تخبرنا بأن المساحة الأكبر للعطاء قد تبدأ أحيانا من ذلك الغيب البعيد حيث يتحول الراحلون من خانة الشركاء في البدايات إلى منارات تقود الخطى في الحاضر النبيل.
في كواليس كل قلم ينبض بالصدق وفي عمق كل كلمة تجد طريقها إلى قلوب الناس ثمة أصداء لأصوات مضت وملامح لخطوات كانت تمشي معنا خطوة بخطوة تمنحنا الدفع واليقين حين تتشابه الطرق.
هؤلاء الذين غادروا الساحة وتركوا فينا غرسهم لم يأخذوا معهم سر إلهامهم بل تركوه أمانة في أعناقنا فصار عطاؤهم ممتدا وعابرا للزمن وكأنهم يمدون أيديهم من وراء حجب الغيب ليمهدوا لنا طريق الصدارة.
إن البذور التي نثرتها تلك الأيادي في الماضي من تشجيع ودعم وإيمان حقيقي بالذات هي ذاتها الثمار التي نقطفها اليوم تفاعلا وانبهارا ونجاحا يملأ الآفاق. وحين نصل إلى مكانة تلتفت فيها الأنظار إلينا ندرك تماما أننا لسنا وحدنا في هذا البهاء بل إن هناك أرواحا كانت سببا رئيسيا فيما وصلنا إليه ولا تزال ذكراهم وسيرتهم تشكل خط الدفاع الأول عن توهجنا واستمرارنا.
العطاء الحقيقي لا يموت والجميل لا ينكره عاقل.
لذا يبدو من النبل والشهامة الأدبية أن نعترف بأن من كانوا سندا في الحياة يظلون أصحاب اليد العليا حتى بعد مماتهم يقودون خطانا بنورهم القديم ويمنحوننا العزم لنظل دائما في القمة محلقين بتلك الثقة التي منحتنا يوما مفاتيح العبور إلى قلوب البشر.
وفي النهاية يبقى ذلك الغياب الجميل هو المحرك الخفي لكل خطوة نخطوها نحو القمة.
لقد رحل الجسد وبقي الأثر الخالد يمدنا بالقوة والعزم من وراء حجب الغيب وكأن الرحيل لم يكن إلا بداية لرحلة دعم جديدة لا تنتهي.
إن الانحناء إجلالا لتلك الأرواح التي صنعت منا ما نحن عليه اليوم هو أصدق تعبير عن أصالة لا تغيرها الأيام وتبقينا دائما مدينين بنجاحنا لمن أهدانا يوما سر الحياة.
فاللهم ارحم من رحلوا عن دنيانا واغفر لهم واجعل مثواهم الجنة. اللهم أكرم نزلهم ووسع مدخلهم واجعل أثرهم الطيب نوراً يضيء لهم في الآخرة كما كان نوراً يُستضاء به في الدنيا.



