
مدحت الحلفاوي يكتب القريب البعيد حين يصبح الحب نجاة لا مجرد شعور
قراءة أدبية في قصيدة القريب البعيد للشاعرة / إخلاص أبو فخر
ليست كل القصائد قادرة على أن تجعل القارئ يعيش داخل النص لكن قصيدة القريب البعيد للشاعرة Ekhlas Abu Fakhr استطاعت منذ بدايتها أن تفتح بابا واسعا نحو عالم من الحنين والدفء والوجع الإنساني النبيل.
فالكاتبة لم تبدأ قصيدتها بوصف عابر للحبيب بل بدأت بنداء طويل يحمل داخله شوقا ودهشة وعتابا حين قالت
“يا أيها القريب البعيد”
وهنا تظهر أولى مفارقات النص كيف يكون الإنسان قريبا وبعيدا في الوقت نفسه.
إنها تلك المسافة التي لا تقاس بالأماكن بل بالمشاعر فقد يغيب شخص عن العين لكنه يبقى حاضرا في القلب أكثر من الجميع.
ثم تنتقل الكاتبة إلى صورة مؤثرة للغاية حين تقول:
“يا من صوب سهام هواه لسويداء قلبي اخترقه وأدمى الوريد”.
الحب هنا ليس حالة عابرة بل قوة نافذة تصيب القلب مباشرة وتترك أثرها العميق داخله.
وقد استخدمت الشاعرة مفردات مثل السهام وأدمى الوريد لتؤكد أن الحب الحقيقي لا يمر بخفة بل يترك وجعا جميلا لا ينسى.
وفي مقطع آخر يتحول الألم إلى حياة حين تقول:
“يا من أرسل رعوده لروحي العطشى فرواها وأزهرت من جديد”..
وهنا تتجلى براعة الصورة الشعرية فالرعود التي ترتبط عادة بالخوف والعاصفة جعلتها الكاتبة سببا للحياة والارتواء وكأن هذا الحب جاء بعد جفاف طويل فأعاد للروح قدرتها على الإزهار من جديد.
كما أن وصف الحبيب بأنه
قمري ونجمي الوحيد
يعكس حالة من الاكتفاء العاطفي الكامل فهو لم يعد مجرد شخص محبوب بل أصبح النور الذي تهتدي به الروح وسط عتمتها.
ومن أجمل المقاطع في القصيدة قولها:
“يا من عاد مخترقا جدار الزمن هاربا من عصر النبلاء فكان فارسي العتيد”…
فهنا لا تتحدث الشاعرة عن رجل عادي بل عن نموذج نادر أصبح وجوده قليلا في هذا الزمن وكأنها ترى فيه بقايا زمن جميل كانت فيه الشهامة والصدق والنبل قيما حقيقية.
ثم تصل القصيدة إلى حالة روحانية شديدة العذوبة حين تقول:
“يا من كان كقميص يوسف أعاد النظر لعيني”…
وهو اقتباس شديد التأثير من القصة القرآنية العظيمة فكما أعاد قميص يوسف البصر ليعقوب عليه السلام أعاد هذا الحب للحياة معناها وللروح قدرتها على الرؤية والأمل.
أما قولها:
“يا من كان كسفينة نوح انتشلني وأنقذني من بحر أحزاني”…
فهو من أكثر المقاطع الإنسانية عمقا داخل النص لأن الإنسان حين يغرق في حزنه لا يبحث عن حب عابر بل عن نجاة كاملة وهنا يتحول الحبيب إلى أمان وطوق نجاة من بحر الألم.
كما حملت القصيدة موسيقى داخلية هادئة من خلال تكرار عبارة:
“يا أيها القريب البعيد”…
فهذا التكرار لم يكن مجرد زخرفة لغوية بل بدا وكأنه نداء متكرر يخرج من أعماق القلب كلما اشتد الحنين والخوف من الفقد.
وفي النهاية تبلغ القصيدة ذروة وجعها حين تقول الشاعرة:
“أبعد كل هذا تريدني ضبابا يتلاشى”…
وهنا يتحول النص من حالة التغني بالحب إلى خوف حقيقي من الانكسار والضياع فبعد كل هذا الامتلاء العاطفي يصبح احتمال الفقد مرعبا لذلك جاءت صور الضباب والطير التائه معبرة عن روح تخشى أن تفقد نفسها بعد أن تعلقت بروح أخرى.
تحية تقدير ومحبة للشاعرة Ekhlas Abu Fakhr التي استطاعت أن تكتب نصا يحمل هذا القدر من الصدق والدفء واللغة الرقيقة دون افتعال فجاءت قصيدتها قريبة من القلب لأنها خرجت من القلب.
اللهم بارك لها في موهبتها واجعل كلماتها نورا يلامس القلوب وارزقها دائما صدق الإحساس وجمال الحرف وراحة الروح والسعادة التي تليق بقلب يكتب بكل هذا الصدق.



