أقلام حره

من إدارة الأزمة إلى بناء التوازن المجتمعي: كيف تطرح الدولة المصرية مقاربة جديدة لملف الكلاب الضالة

بقلم د نهال الشافعى  باحثه فى الشؤون السياسية والاستراتيجية

لم تعد قضية الكلاب الضالة في مصر مجرد ملف خدمي محدود أو ظاهرة عابرة يمكن التعامل معها بحلول مؤقتة، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى قضية ترتبط بشكل مباشر بالصحة العامة، والأمن المجتمعي، وصورة المدن الحديثة، فضلًا عن ارتباطها المتزايد بحالة الجدل داخل الشارع وبين مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي. وبين مخاوف المواطنين من حوادث العقر والانتشار العشوائي للحيوانات المجتمعية، وبين الدعوات المطالبة بالرفق بالحيوان ورفض أي ممارسات عنيفة، برزت الحاجة إلى رؤية متوازنة تمنع انقسام المجتمع إلى معسكرات متصارعة، وتدعم في الوقت نفسه توجه الدولة نحو حلول علمية طويلة المدى.
وفي هذا الإطار، تكتسب الورقة البحثية التي أصدرها مركز “إيجيبشان إنتربرايز للدراسات السياسية والاستراتيجية” أهمية خاصة، باعتبارها تقدم نموذجًا عمليًا لفكرة “إدارة الظاهرة” بدلًا من الاكتفاء بردود الفعل المؤقتة. فالورقة التي جاءت بعنوان: “نحو سياسة وطنية متكاملة لإدارة الحيوانات الأليفة في المدن المصرية: أزمة الكلاب الضالة نموذجًا”، لم تتعامل مع القضية باعتبارها ملفًا عاطفيًا أو سجالًا اجتماعيًا، بل قدمتها بوصفها تحديًا حضريًا متشابكًا يحتاج إلى مقاربة علمية ومؤسسية متكاملة.
الدراسة التي أعدها الباحثون محمد رزق عبد المطلب، وميرنا سامح أحمد، ونور رمضان عبدالعظيم، وحنان رمضان عطية، تحت إشراف ومراجعة محمد عبد الحليم مدير المركز، والدكتورة آيات عبد العزيز مدير البحوث والدراسات، انطلقت من حقيقة مهمة، وهي أن استمرار إدارة الأزمة بالطرق التقليدية أثبت محدوديته، سواء عبر حملات الإبادة المؤقتة أو عبر الاعتماد الكامل على الإيواء المركزي مرتفع التكلفة، دون تحقيق نتائج مستدامة على الأرض.
وتكشف الأرقام التي استندت إليها الورقة حجم التحدي الحقيقي؛ إذ أشارت إلى تسجيل نحو 1.4 مليون حالة عقر خلال عام 2025، بتكلفة تجاوزت مليار جنيه خُصصت للأمصال والعلاج فقط، وهو ما يعكس حجم العبء الاقتصادي والصحي الذي تتحمله الدولة سنويًا. وهنا تتضح أهمية الانتقال من الحلول الانفعالية السريعة إلى سياسات تعتمد على التخطيط طويل المدى.
ومن أبرز ما طرحته الدراسة تبني منهجية “الإمساك، التعقيم، التطعيم، والإطلاق” (TNVR)، باعتبارها من أكثر النماذج نجاحًا عالميًا في إدارة الحيوانات المجتمعية. وتقوم هذه الآلية على تقليل التكاثر تدريجيًا، وتحجيم انتشار الأمراض، وتحقيق السيطرة المستدامة على الأعداد، بدلًا من الدخول في دائرة مفرغة من الحلول المؤقتة التي تعيد إنتاج الأزمة كل عدة أشهر.
الأهم في الورقة أنها لم تطرح رؤية نظرية منفصلة عن توجهات الدولة، بل جاءت منسجمة مع التحركات الحكومية الأخيرة، ومنها تخصيص أرض بمنطقة التبين بالقاهرة لتحويلها إلى مراكز عمليات لا مركزية لإدارة الظاهرة، بما يعكس اتجاهًا رسميًا نحو بناء منظومة متكاملة بدلاً من الاكتفاء بالتعامل الموسمي مع الأزمة.
وفي الحقيقة، فإن التحدي الأكبر اليوم لا يتعلق فقط بإدارة الكلاب الضالة، بل بإدارة حالة الجدل المصاحبة لها داخل المجتمع. فالقضية أصبحت شديدة الحساسية، وأي انقسام حاد بين مؤيد ومعارض قد يدفع نحو حالة من التوتر المجتمعي غير الضروري، بينما المطلوب هو خلق مساحة تفاهم تدعم حق المواطن في الأمان، وفي الوقت نفسه تحافظ على النهج الحضاري والإنساني للدولة المصرية.
ولهذا، فإن نجاح الاستراتيجية الحالية يحتاج إلى وعي مجتمعي بأن معالجة الظواهر المركبة لا تتم في أيام أو أسابيع، بل تحتاج إلى صبر وتدرج وتنفيذ مؤسسي طويل المدى.
فالدولة عندما تتبنى سياسة علمية متكاملة، فإن النتائج تظهر بشكل تراكمي، خاصة في الملفات المرتبطة بالسلوك المجتمعي والصحة العامة والبنية الحضرية.
كما أن فتح المجال أمام المجتمع المدني، والأطباء البيطريين، والمتخصصين، للمشاركة في تنفيذ هذه الرؤية، يعكس إدراكًا متزايدًا بأن إدارة المدن الحديثة لم تعد مسؤولية الحكومة وحدها، بل عملية تشاركية تحتاج إلى تعاون مجتمعي واسع.
وفي ظل تنامي الاهتمام العالمي بمعايير جودة الحياة والرفق بالحيوان، فإن نجاح مصر في تقديم نموذج متوازن لإدارة الحيوانات المجتمعية لن ينعكس فقط على الداخل، بل سيعزز أيضًا صورتها الدولية كدولة تتجه نحو حلول تنموية حديثة تراعي الأبعاد الإنسانية والصحية في آن واحد.
وفي النهاية، فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة ليس وجود أزمة، بل تحوّل إدارة الأزمة نفسها إلى مصدر للانقسام داخل المجتمع. ومن هنا، تبدو الرسالة الأهم اليوم هي ضرورة دعم الاستراتيجيات العلمية بعقلانية وصبر، بعيدًا عن الاستقطاب أو الانفعال، لأن بناء الدولة الحديثة لا يقوم على ردود الفعل اللحظية، بل على القدرة على إدارة الملفات المعقدة بتوازن يحافظ على الأمن المجتمعي والتماسك الوطني معًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock