أقلام حره

إتيكيت “الحظر الرقمي”.. هل “البلوك” قلة ذوق أم ضرورة أخلاقية؟

بقلم: سيدة الإتيكيت الأولى / هالة العزب

في عالمنا الواقعي، اعتدنا أن نضع حدودًا لمساحاتنا الشخصية؛ نغلق أبواب بيوتنا ونختار من نسمح له بالدخول إلى صالوناتنا. لكن في عالمنا الرقمي، أصبحت الشاشات تفتح أبوابنا على مصراعيها، مما جعل البعض يظن أن “التجاوز” متاح للجميع. وهنا يبرز السؤال الذي يُطرح عليّ كثيرًا: هل يُعد “البلوك” قلة إتيكيت؟

دعوني أوضح أن الإتيكيت في جوهره هو فن تقدير الذات واحترام الآخر، ومن هذا المنطلق فإن الحظر (Block) ليس مجرد ضغطة زر، بل أداة لحماية الخصوصية النفسية والمهنية إذا استُخدم بوعي ورقي. فالإتيكيت لا يعني أبدًا الصمت على الإساءة، بل هناك حالات يصبح فيها الحظر ضرورة أخلاقية واضحة، مثل حالات التجاوز اللفظي والتنمر، حين يتحول الحوار من اختلاف في الرأي إلى إساءة شخصية أو انتقاص من الكرامة، وهنا يكون الحظر ردًا راقيًا يحفظ كرامتك دون الانحدار لنفس المستوى. كما يشمل ذلك اقتحام الخصوصية، كالإلحاح في الاتصال أو طرح أسئلة شخصية رغم وضوح عدم الرغبة في الإجابة، وكذلك التعامل مع الأشخاص الذين يملؤون حياتك بطاقة سلبية مستمرة من نقد جارح أو إحباط متكرر، حيث يصبح من حقك الكامل حماية مساحتك النفسية.

وفي بيئة العمل، تختلف القواعد قليلًا، إذ تظل المهنية تفرض الحفاظ على حد أدنى من التواصل. لذلك لا يُعد حظر زميل عمل على وسائل التواصل الشخصية تصرفًا غير لائق طالما أن قنوات التواصل المهنية مثل البريد الإلكتروني أو لينكد إن أو واتساب العمل لا تزال متاحة. فحساباتك الشخصية تمثل مساحتك الخاصة التي تملك وحدك حق التحكم فيها. ومع ذلك، يُفضل التدرج في اتخاذ القرار، فيمكن استخدام خاصية “التقييد” كحل وسط يقلل الاحتكاك دون خلق توتر مباشر، كما أن الرد المهني الحازم يظل خيارًا راقيًا، كأن يتم توضيح أن التواصل يجب أن يقتصر على إطار العمل فقط، قبل اتخاذ قرار الحظر من الوسائل الشخصية.

أما عن بروتوكول اتخاذ القرار، فمن المهم عدم التسرع، لذلك يُنصح بقاعدة الـ 24 ساعة، أي تأجيل قرار الحظر حتى تهدأ المشاعر، فإذا كان الهدف هو حماية راحة البال وليس رد الفعل الغاضب، يصبح القرار أكثر نضجًا. ويُعد الحظر الصامت من أرقى أساليب التعامل، حيث يتم الانسحاب دون إعلان أو ضجيج أو رسائل مبطنة، فالرقي الحقيقي يظهر في الصمت وليس في المواجهة العلنية. وإذا جاء وقت فك الحظر، فيجب أن يكون ذلك بعد التأكد من زوال أسباب الخلاف، مع فتح صفحة جديدة دون استدعاء الماضي.

ختامًا، تذكر أن هاتفك وحساباتك الرقمية ليست مجرد أدوات، بل هي امتداد لمساحتك الشخصية، والإتيكيت لا يعني تحمل الإزعاج بابتسامة، بل يعني وضع حدود واضحة بأسلوب راقٍ. فالحظر ليس إعلان حرب، بل هو في جوهره إعلان استقلال يحفظ لك هدوءك وكرامتك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock