أقلام حره

إنجي بدوي تكتب: إسرائيل على الحافة

 

منذ إعلان وقف إطلاق النار، بدأت ملامح انكسار واضحة تتشكل داخل المجتمع الإسرائيلي، حالة من الصدمة والارتباك تسود الشارع، كيف يمكن إنهاء الحرب دون تحقيق أي من أهدافها؟ وكيف تُفرض معادلات جديدة في الإقليم، بينما تبدو إسرائيل عاجزة عن فرض إرادتها؟

تتزايد التساؤلات داخل إسرائيل: لماذا دخلنا هذه الحرب؟ ما الذي تحقق منها سوى الدمار والخسائر؟ وفي المقابل، يراقب الإسرائيليون مشاهد احتفالات بعض اللبنانيين بالاتفاق، وهو ما يفاقم شعور الغضب والمرارة لديهم، إذ كيف يحتفل الطرف الآخر بينما يسقط جنودهم؟

هذا الشعور لا يقتصر على تيار دون آخر؛ بل يمتد من اليمين إلى اليسار، حيث يتفق كثيرون على أن حزب الله سيستعيد قوته مجددًا، وأن إسرائيل فقدت جزءًا كبيرًا من هيبتها بقبولها هذا الاتفاق.

في الجبهة الشمالية، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا لإسرائيل، منذ فترة اعترفت وسائل إعلام عبرية إن التقديرات داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، اعترفت أن حزب الله قادرًا علي المواجهة والصمود لمدة 4 أشهر.

بجانب الخسائر التي تكبدها الجيش الإسرائيلي، سواء البشرية أو المعنوية، ساهمت في تعميق الإحساس بالفشل، ورغم محاولة تصوير بعض العمليات على أنها “إنجازات”، فإن الواقع الميداني يعكس عكس ذلك.
الأخطر من ذلك، أن حالة التوتر والذعر داخل صفوف الجنود وصلت إلى حد وقوع حوادث إطلاق نار بالخطأ، نتيجة الاشتباه، حيث أصبح الخوف من مواجهة مقاتلي حزب الله عاملاً نفسيًا مؤثرًا في سلوك الجنود أنفسهم، وحدثت أكثر من مرة في فترة وجيزة.

أما في قطاع غزة، فالصورة لا تقل وضوحًا من حيث غياب الإنجاز الحقيقي، الأهداف المعلنة، وعلى رأسها نزع سلاح حماس، لم تتحقق.
حتي في ظل الحرب، كان المقاتلين كانوا قادرين على التحرك بمرونة، بل وحتى إخفاء الأسرى الإسرائيليين بين النازحين، في مشهد يعكس خللًا واضحًا في القدرة الاستخباراتية والعسكرية الإسرائيلية.

ورغم القوة العسكرية الهائلة، لم تستطع إسرائيل فرض واقع جديد على الأرض، ما يعزز فكرة أن التفوق العسكري وحده لا يكفي لحسم صراع من هذا النوع.

داخليًا، تعيش إسرائيل حالة من التناقض، فهي من جهة تقدم نفسها كقوة إقليمية كبرى، ومن جهة أخرى تبدو في نظر كثيرين دولة تعتمد بشكل كبير على الدعم الأمريكي، ما يطرح تساؤلات حول استقلالية قرارها.

الحكومة الإسرائيلية، خاصة في نسختها الحالية، روجت لشعارات الأمن والحسم، لكنها فشلت في تحقيقها، ويكفي النظر إلى أوضاع سكان شمال إسرائيل، الذين تحولوا إلى نازحين داخل بلدهم، كمثال واضح على هذا الفشل.
كما أن الخطاب الرسمي الذي تحدث عن النصر في غزة ولبنان، لم يجد صداه الحقيقي على الأرض، ما عمق فجوة الثقة بين الحكومة والمجتمع.

ورغم كل هذه المؤشرات، لا يزال الاعتراف بالهزيمة غائبًا عن الخطاب الإسرائيلي الرسمي، ولكن المفارقة أن هذا الاعتراف بدأ يتسلل بوضوح داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، في النقاشات العامة، وفي تساؤلات الشارع، وحتى في بعض التحليلات الإعلامية، يظهر إدراك متزايد بأن ما حدث لم يكن انتصارًا، بل تجربة مكلفة كشفت حدود القوة وكلفة الوهم.

هذا التناقض بين خطاب رسمي ينكر، ووعي مجتمعي يتشكل، يعكس أزمة أعمق داخل إسرائيل: أزمة ثقة في الرواية، وفي القيادة، وفي جدوى الحروب ذاتها، ومع مرور الوقت، قد لا يكون السؤال هل كانت هناك هزيمة أم لا، بل كيف سيتم التعامل مع آثارها، وكيف سيُعاد تعريف مفهوم النصر، في ظل واقع لم يعد يقبل التجميل أو الإنكار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock