أقلام حره

إذا كان الجسد يقوده العقل، فمن يقود العقل؟ رحلة فلسفية في أعماق الوعي والإرادة والذات الإنسانية

بقلم الدكتوره اسماء فليح


منذ أن بدأ الإنسان يتأمل ذاته والعالم من حوله، ظلّ سؤال العلاقة بين العقل والجسد من أكثر الأسئلة الفلسفية إثارةً للجدل. فنحن نعتقد أن العقل هو الذي يوجّه الجسد، وأنه المسؤول عن تنظيم حركاتنا، واختيار أفعالنا، واتخاذ قراراتنا. لكن حين نتوقف قليلًا ونتأمل هذه الحقيقة، يظهر سؤال أكثر عمقًا وإرباكًا: إذا كان الجسد يقوده العقل، فمن الذي يقود العقل؟
هل يقود العقل نفسه؟ أم أن هناك قوة أعمق منه توجّه أفكاره وتتحكم في اختياراته، مثل الوعي أو الضمير أو العاطفة أو الرغبات أو الخبرات السابقة؟ وهل نحن أحرار فعلًا في التفكير، أم أن عقولنا تتحرك داخل حدود رسمتها لنا التربية والمجتمع والذاكرة والتجارب التي عشناها؟
العقل ليس جزيرة معزولة
قد يبدو للوهلة الأولى أن العقل هو مركز القيادة في الإنسان؛ فهو الذي يوازن بين الخيارات، ويقدّر النتائج، ويميّز بين الصواب والخطأ. غير أن العقل لا يعمل في فراغ، ولا يبدأ كل فكرة من نقطة محايدة تمامًا، بل يتأثر بعوامل كثيرة قد لا ينتبه الإنسان إلى حضورها.
فالإنسان الذي نشأ في بيئة تخاف من الاختلاف قد يرى الرأي المختلف تهديدًا، بينما قد يراه إنسان آخر فرصة للتعلّم والحوار. كلاهما يستخدم عقله، لكن كلًّا منهما ينظر إلى العالم من خلال منظومة مختلفة من الخبرات والقيم والتوقعات.
وهنا تبرز حقيقة فلسفية مهمة: قد يكون العقل أداة التفكير، لكن طريقة استخدامه تتأثر بما يحمله الإنسان في داخله وما تعلّمه من العالم الخارجي.
ولذلك، فإن السؤال عن قائد العقل لا يمكن الإجابة عنه بالبحث عن قوة واحدة تتحكم فيه، بل بفهم شبكة العوامل التي تتفاعل لتشكّل أفكارنا وقراراتنا.
هل تقود العاطفة العقل من حيث لا نشعر؟
كثيرًا ما يعتقد الإنسان أنه يتخذ قراراته بناءً على المنطق وحده، لكن الواقع يكشف أن المشاعر تؤدي دورًا كبيرًا في توجيه التفكير. فالخوف قد يجعل الاحتمالات البسيطة تبدو مخاطر كبيرة، والغضب قد يدفعنا إلى تفسير الكلام العادي على أنه إهانة، والحب قد يجعلنا نرى في شخص ما صفات لا نلاحظها في الآخرين.
لنتأمل مثالًا بسيطًا: شخصان يسمعان العبارة نفسها من صديق مشترك. قد يراها الأول نصيحة صادقة، بينما يراها الثاني انتقاصًا من قيمته. هل اختلفت الكلمات؟ لا، ولكن الحالة النفسية والتجارب السابقة وطريقة تفسير الموقف اختلفت.
في هذه الحالة، لا تكون العاطفة مجرد استجابة تأتي بعد التفكير، بل قد تؤثر في الطريقة التي يفكر بها الإنسان منذ البداية.
ومع ذلك، ليس من الدقة أن نضع العقل والعاطفة في صراع دائم؛ فالعاطفة تساعدنا على إدراك أهمية الأشياء بالنسبة إلينا، بينما يساعدنا التفكير على فحص استجاباتنا وتقدير عواقبها. وقد يكون القرار الأكثر نضجًا هو الذي يستفيد من الاثنين دون أن يسمح لأحدهما بإلغاء الآخر.
وهل يقود العقل نفسه؟
هنا نصل إلى سؤال أكثر تعقيدًا: إذا كانت العواطف والرغبات والتجارب تؤثر في العقل، فهل يستطيع العقل أن يراقب هذه التأثيرات ويصححها؟ وهل يمكن للإنسان أن يفكر في أفكاره، وأن يشكّ في أحكامه، وأن يعيد النظر فيما كان يعتقد أنه حقيقة لا تقبل النقاش؟
تظهر في هذه القدرة إحدى أهم خصائص الوعي الإنساني، وهي التفكير في التفكير؛ أي أن يتحول الإنسان من مجرد صاحب فكرة إلى شخص يتأمل كيف نشأت الفكرة، وما الأدلة التي تدعمها، وما الانحيازات التي قد تؤثر فيها.
فمثلًا، عندما يغضب الإنسان من شخص ما، قد يندفع إلى الحكم عليه بأنه سيئ أو متعمّد للإساءة. لكنه يستطيع أن يتوقف ويسأل نفسه: هل أملك دليلًا كافيًا على نيّته؟ هل يمكن أن أكون قد فهمت كلامه بطريقة خاطئة؟ وهل أسهم غضبي في تضخيم الموقف؟
في هذه اللحظة، لا يختفي الشعور بالضرورة، لكن الإنسان يخلق مسافة بين ما يشعر به وما يقرّر فعله. وهذه المسافة قد تكون الفارق بين الاستجابة المتسرعة والقرار الواعي.
لكن هل يعني ذلك أن العقل أصبح مستقلًا تمامًا؟ ليس بالضرورة؛ فقد تتأثر عملية المراجعة نفسها بالمعتقدات السابقة والرغبة في إثبات صحة الرأي. ولهذا لا تكمن قوة العقل في أنه لا يخطئ، بل في قدرته على الاعتراف باحتمال الخطأ وتصحيح مساره.
من يقود العقل: الوعي أم الضمير أم القيم؟
قد يجيب بعضهم بأن الوعي هو الذي يقود العقل؛ لأنه يجعل الإنسان منتبهًا إلى أفكاره بدل أن يكون أسيرًا لها. وقد يرى آخرون أن الضمير هو البوصلة التي تمنح التفكير اتجاهًا أخلاقيًا، بينما يعتقد غيرهم أن القيم هي التي تحدد ما يستحق السعي إليه وما ينبغي الابتعاد عنهلكن هذه الإجابات لا تتعارض بالضرورة، كما أنها لا تعني أن أيًّا من هذه العناصر يمتلك السيطرة المطلقة
فالوعي يساعد الإنسان على ملاحظة ما يجري داخله، والضمير يرتبط بالحكم الأخلاقي على الأفعال، والقيم تسهم في تحديد الأولويات والمعايير. أما العقل فيساعد على فحص الخيارات والنتائج، وقد يراجع الإنسان من خلاله بعض القيم التي ورثها أو المواقف التي اعتاد عليها
ولنأخذ مثالًا من الحياة اليومية: قد يرغب شخص في الرد بقسوة على من أساء إليه. تدفعه مشاعر الغضب إلى الانتقام، لكن قيمة التسامح أو احترام الذات قد تجعله يتردد، ثم يبدأ العقل في تقدير النتائج: هل سيحل الرد المشكلة، أم سيزيدها تعقيدًا؟ عندئذٍ لا يكون القرار نتاج عنصر واحد، بل حصيلة تفاعل بين الشعور والوعي والقيم والتفكير
ومن هنا، ربما لا يكون السؤال الأدق: من يقود العقل؟ بل: كيف تتعاون القوى التي تشكّل وعينا، وأيّها نمنحه حق توجيه قراراتنا؟
هل نحن أحرار في أفكارنا؟
يأخذنا السؤال إلى واحدة من أقدم المعضلات الفلسفية: هل الإنسان حر في اختياراته، أم أن أفكاره وقراراته تتحدد بعوامل سابقة عليه؟
لقد ناقش الفلاسفة، قديمًا وحديثًا، حدود الحرية الإنسانية وعلاقتها بالأسباب التي تؤثر في السلوك. فهناك من يؤكد دور الإرادة والمسؤولية، وهناك من يلفت الانتباه إلى تأثير البيئة والتربية والظروف والدوافع التي لا يعيها الإنسان دائمًا
فالشخص لا يختار جميع التجارب التي مرّ بها، ولا يختار الأسرة التي نشأ فيها، ولا يستطيع التحكم في كل شعور يظهر داخله. لكنه قد يمتلك مساحة للتأمل في هذه التأثيرات، ولمراجعة أحكامه، وللتدرب على استجابات مختلفة
إن الحرية، بهذا المعنى، ليست أن نفكر دون أي تأثير، فهذا أمر يصعب تصوره، بل أن نكون أكثر وعيًا بالتأثيرات التي تشكّل تفكيرنا، وأن نمتلك القدرة على فحصها بدل الانقياد لها بصورة آلية
فقد لا نستطيع منع الفكرة الأولى من الظهور، لكن يمكننا أن نسأل عن صحتها قبل أن نحولها إلى حكم أو سلوك. وقد لا نختار الشعور الذي يظهر في لحظة معينة، لكن يمكننا أن نتعلم كيف نتعامل معه دون أن نجعله صاحب القرار الوحيد.
التربية لا تصنع العقل فقط، بل تعلّمه كيف يقود نفسه
تتضح أهمية هذا الموضوع في التربية والتعليم؛ فالتعليم الحقيقي لا يقتصر على تزويد المتعلم بالمعلومات، بل يساعده على اكتساب القدرة على التحليل والتساؤل والتحقق من الأدلة ومراجعة الأحكام
فالطالب الذي يحفظ الإجابة دون أن يفهم أسبابها قد يمتلك معلومة، لكنه لا يمتلك بالضرورة مهارة التفكير المستقل. أما الطالب الذي يسأل: لماذا أعتقد ذلك؟ وما الدليل؟ وهل توجد تفسيرات أخرى؟ فإنه يتعلم كيف يراقب تفكيره بدل الاكتفاء بتكرار ما يسمعه ومن هنا، لا ينبغي أن يكون هدف التربية أن نعلّم الإنسان ماذا يفكر فحسب، بل أن نساعده على تعلّم كيف يفكر، وكيف يختبر أفكاره، وكيف يغيّر رأيه عندما تظهر أدلة أفضل
فالعقل الناضج ليس العقل الذي يملك إجابة عن كل سؤال، بل العقل الذي يعرف حدود معرفته، ويقبل مراجعة مواقفه، ولا يخلط بين قوة اقتناعه وصحة ما يعتقده.
إذن، من يقود العقل؟ ربما لا توجد إجابة واحدة نهائية عن هذا السؤال؛ لأن العقل ليس كيانًا منفصلًا عن بقية الإنسان، بل يعمل ضمن منظومة تتفاعل فيها المشاعر والذاكرة والدوافع والقيم والخبرات والوعي
وقد يقود الخوف تفكيرنا أحيانًا، وقد توجهنا رغبة أو ذكرى، وقد تساعدنا قيمة أخلاقية على ضبط اندفاعنا، وقد يتيح لنا الوعي مراجعة كل ذلك. لكن الإنسان لا يصبح أكثر نضجًا بمجرد أن يعرف هذه العوامل، وإنما عندما يتعلم كيف يلاحظها ويفهم أثرها ويوازن بينها
ولعل المفارقة الأجمل أن العقل، رغم قدرته على تفسير أشياء كثيرة، يظل مطالبًا بأن يفسّر نفسه أيضًا. فهو الأداة التي نستخدمها لفهم العالم، لكنه في الوقت ذاته موضوع يحتاج إلى الفهم والمراجعة
وهنا تتجلى قيمة السؤال الفلسفي؛ فهو لا يمنحنا دائمًا جوابًا نهائيًا، لكنه يوقظ فينا القدرة على رؤية ما اعتدنا اعتباره بديهيًا من زاوية جديدة
إذا كان العقل يقود الجسد، فإن ما يوجّه العقل ليس قائدًا واحدًا يمكن تسميته بسهولة، بل تفاعل معقد بين الوعي والعاطفة والذاكرة والقيم والتجربة. وتبدأ الحكمة عندما يدرك الإنسان أن أفكاره ليست حقائق لمجرد أنها أفكاره، وأن مشاعره ليست أدلة قاطعة لمجرد أنه يشعر بها، وأن اقتناعه برأيه لا يعفيه من مراجعته
فالإنسان لا يبلغ حريته الفكرية حين يتخلص من كل تأثير، وإنما حين يصبح قادرًا على فهم التأثيرات التي تحكم تفكيره، والتوقف قبل تحويلها إلى قرارات
ويبقى السؤال مفتوحًا أمام كل قارئ: هل نحن من يقود أفكارنا، أم أن أفكارنا تقودنا، ونحن لا نكتشف ذلك إلا عندما نتوقف لنسأل ؟العقل أمام مرآته: من يوجّه أفكارنا، ومن يصنع قناعاتنا؟
تأملات فلسفية في الوعي والإرادة وحدود التفكير الإنساني
يظن الإنسان، في كثير من الأحيان، أنه سيد أفكاره، وأن عقله هو القائد الذي يوجّه سلوكه ويختار قراراته ويحدد مسارات حياته. غير أن التأمل العميقفي طبيعة التفكير يكشف لنا مفارقة تستحق التوقف: إذا كان العقل هو الذي يقود الجسد، فمن الذي يقود العقل؟ وإذا كنا نستخدم عقولنا لفهم العالم، فهل نستطيع أن نفهم عقولنا بالقدر نفسه من الوضوح؟
إنه سؤال يتجاوز حدود الفلسفة النظرية ليصل إلى صميم حياتنا اليومية؛ إلى أحكامنا على الآخرين، ومواقفنا من الاختلاف، وقراراتنا المصيرية، وحتى الطريقة التي نفسّر بها مشاعرنا وتجاربنا
فكم من إنسان اتخذ قرارًا ظنّه عقلانيًا، ثم اكتشف بعد مرور الزمن أن الخوف كان يقوده؟ وكم من شخص دافع عن فكرة سنوات طويلة، لا لأنها تستند إلى أدلة قوية، بل لأنها ارتبطت بهويته أو تربيته أو صورته عن نفسه؟ وكم مرة اعتقدنا أننا نرى الحقيقة كما هي، بينما كنا نراها من خلال نافذة صنعتها تجاربنا السابقة؟
العقل الذي يفكر في نفسه
تكمن إحدى أعظم قدرات الإنسان في أنه لا يكتفي بالتفكير، بل يستطيع أن يتأمل تفكيره أيضًا. فهو قادر على أن يسأل نفسه: لماذا أؤمن بهذه الفكرة؟ وما الذي جعلني أتبنى هذا الرأي؟ وهل وصلت إلى قناعتي عن طريق الدليل، أم لأنني اعتدت سماعها وتكرارها؟
هذه القدرة على مراجعة الأفكار تمنح الإنسان فرصة للتحرر من بعض أحكامه المسبقة. لكنها لا تعني أن العقل قادر دائمًا على اكتشاف أخطائه بسهولة؛ فقد يستخدم الإنسان ذكاءه أحيانًا للدفاع عن قناعة راسخة بدلًا من اختبار صحتها
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث للعقل ليس أن يخطئ، فالأخطاء جزء من التجربة الإنسانية، بل أن يفقد الرغبة في اكتشاف خطئه، وأن يحوّل قناعاته إلى حقائق مغلقة لا يسمح لأحد بمناقشتها إن العقل الناضج ليس ذلك الذي لا يتردد أبدًا، بل الذي يعرف متى يكون التردد ضرورة، ومتى تكون مراجعة الذات علامة قوة لا ضعف
من يوجّه أفكارنا من وراء الستار؟
لا تنشأ أفكارنا بمعزل عن العالم الذي نعيش فيه. فالتربية، والثقافة، واللغة، والذكريات، والتجارب العاطفية، والمخاوف، والتوقعات، كلها تسهم بدرجات متفاوتة في تشكيل نظرتنا إلى الحياة
فالإنسان الذي نشأ في بيئة تنظر إلى الاختلاف بوصفه تهديدًا قد يشعر بالقلق أمام أي رأي مخالف، بينما يستطيع إنسان آخر أن يرى في الاختلاف فرصة لاكتشاف أفكار جديدة. وقد يسمع شخصان العبارة نفسها، لكن أحدهما يفهمها على أنها نصيحة، ويفهمها الآخر على أنها إهانة
لم تتغير الكلمات، وإنما اختلفت الخلفيات التي استقبلتها وفسّرتها.
وهذا يعني أن الإنسان لا يتعامل مع الأحداث وحدها، بل مع المعاني التي يمنحها لتلك الأحداث. وقد تكون هذه المعاني دقيقة أحيانًا، وقد تكون متأثرة بخوف قديم أو تجربة مؤلمة أو توقع لم يتحقق
لذلك، فإن فهم الإنسان لنفسه يبدأ عندما يدرك أن تفسيره للموقف ليس بالضرورة هو الموقف نفسه، وأن ما يراه واضحًا قد يحتاج إلى مراجعة، وأن الحقيقة قد تكون أوسع من الزاوية التي ينظر منها حين ترتدي العاطفة ثوب المنطق
نحب أن نعتقد أن قراراتنا تصدر عن التفكير الهادئ، لكن العاطفة قد تتدخل في تشكيل أحكامنا قبل أن ننتبه إلى ذلك. فالخوف يجعل بعض الاحتمالات تبدو أقرب مما هي عليه، والغضب قد يدفعنا إلى تفسير التصرفات على أنها إساءة مقصودة، بينما قد يجعلنا التعلق نتجاهل إشارات تستحق التأمل
تخيّل شخصًا تأخر صديقه في الرد على رسالة. قد يفسر التأخير بأنه تجاهل متعمد، فيشعر بالاستياء ويبدأ في استحضار مواقف قديمة تؤكد شكوكه. وقد يكون التفسير الحقيقي أبسط من ذلك بكثير، كأن يكون الصديق مشغولًا أو غير قادر على الرد في تلك اللحظة
المشكلة هنا ليست في الشعور بالاستياء، فالمشاعر لا تخضع دائمًا لاختيارنا المباشر، وإنما في تحويل الشعور إلى دليل قاطع، ثم بناء الأحكام والقرارات عليه.
إن العاطفة تخبرنا بشيء عن حالتنا الداخلية، لكنها لا تكشف لنا دائمًا حقيقة نيات الآخرين. ومن الحكمة أن نصغي إلى مشاعرنا دون أن نمنحها وحدها سلطة إصدار الأحكام النهائية
هل نحن أحرار في التفكير؟
يفتح هذا السؤال الباب أمام واحدة من أعمق المعضلات الفلسفية: حدود الحرية الإنسانية لقد تأمل الفلاسفة طويلًا العلاقة بين العقل والإرادة، وبين ما نختاره وما تؤثر فيه ظروفنا ودوافعنا. وقد اختلفت الرؤى الفلسفية بشأن مقدار الحرية التي يمتلكها الإنسان، لكن حياتنا اليومية تكشف على الأقل أن قراراتنا لا تتشكل بمعزل عن المؤثرات المحيطة بنا
فنحن لا نختار جميع الظروف التي نشأنا فيها، ولا نتحكم في كل فكرة تظهر في أذهاننا، ولا نستطيع منع كل شعور من التأثير فينا. ومع ذلك، يمكننا أن نتعلم التوقف، وفحص الأدلة، ومراجعة الافتراضات، والبحث عن تفسيرات بديلة
وقد تكون الحرية الفكرية الحقيقية ليست في أن يعيش الإنسان بلا مؤثرات، بل في ألا يستسلم لها دون وعي فحين يراجع المرء رأيًا ورثه عن بيئته، أو يعترف بخطأ في حكمه، أو يغيّر موقفه بعدما يكتشف دليلًا أقوى، فإنه يمارس شكلًا من أشكال المسؤولية الفكرية. إنه لا ينكر ماضيه، لكنه لا يسمح للماضي بأن يحدد كل ما سيؤمن به في المستقبلبين ديكارت وسبينوزا وكانط: أسئلة لا تزال حاضرة
احتل العقل والوعي والحرية مكانة مهمة في تاريخ الفلسفة، وتكشف أفكار عدد من الفلاسفة عن جوانب مختلفة من هذا السؤال
فقد جعل رينيه ديكارت التفكير نقطة انطلاق أساسية في بحثه عن اليقين، وربط وجود الذات بقدرتها على التفكير. لكن التأكد من أننا نفكر لا يعني بالضرورة أننا نفهم جميع الأسباب التي تؤثر في أفكارنا
أما باروخ سبينوزا، فقد شدد على أهمية فهم أسباب انفعالاتنا بدل الاكتفاء بالشعور بها، ورأى أن ازدياد فهمنا لما يؤثر فينا يمكن أن يوسّع قدرتنا على التعامل معه بوعي أكبر في حين اهتم إيمانويل كانط بشروط المعرفة وحدود العقل، وبفكرة الاستقلال الأخلاقي الذي يقتضي ألا يكون الإنسان مجرد تابع لدوافعه أو لأوامر خارجية، بل أن يفكر في مبادئ أفعاله ومسؤوليته عنها
وعلى الرغم من اختلاف هؤلاء الفلاسفة في منطلقاتهم ونتائجهم، فإن أفكارهم تفتح أمامنا سؤالًا مشتركًا: هل يكفي أن نمتلك العقل، أم أننا بحاجة أيضًا إلى معرفة حدوده وكيفية استخدامه؟
فامتلاك القدرة على التفكير شيء، والقدرة على التفكير النقدي ومراجعة الذات شيء آخر التربية: من تلقين الإجابات إلى صناعة الوعي
تتضح أهمية هذه القضية في التربية والتعليم؛ لأن دور المدرسة لا ينبغي أن يقتصر على نقل المعلومات، بل يمتد إلى تنمية القدرة على السؤال والتحليل والاستدلال والتحقق من المصادر
فالطالب الذي يتعلم إجابة جاهزة قد يتمكن من استعادتها في الامتحان، لكنه قد يعجز عن توظيفها في موقف جديد. أما الطالب الذي يتعلم كيف يصل إلى الإجابة، ويميز بين الرأي والدليل، ويفحص التفسيرات المتعددة، فإنه يكتسب مهارات تساعده على التعامل مع عالم متغير
والمجتمع الذي يشجع أفراده على السؤال المسؤول والحوار واحترام الأدلة يفتح أمامهم فرصًا أوسع للتعلم والتطور. أما المجتمع الذي ينظر إلى كل سؤال بوصفه تحديًا، فقد يدفع أفراده إلى تكرار الأفكار بدلًا من فحصها
إن التربية الفكرية الحقيقية لا تصنع إنسانًا يشك في كل شيء بلا تمييز، ولا إنسانًا يقبل كل شيء بلا تفكير، بل تساعده على معرفة متى يقبل، ومتى يتوقف، ومتى يطلب دليلًا، ومتى يعيد النظر في موقفه
من يحكم العقل إذن؟
ربما لا يوجد قائد واحد يقف خلف العقل ويوجه جميع قراراته. فالتفكير الإنساني يتشكل من تفاعل معقد بين المعرفة والانفعال والذاكرة والدوافع والقيم والخبرات والقدرة على التأمل لكن الإنسان يستطيع أن يطوّر علاقته بهذه العوامل. يستطيع أن يتعلم التمييز بين ما يعرفه وما يفترضه، وبين ما يشعر به وما يملك دليلًا عليه، وبين ما ورثه من أفكار وما اختاره بعد تفكير ومراجعة
ولا يعني ذلك أن الإنسان سيصل إلى معرفة كاملة بذاته، أو أنه سيتمكن من التخلص من كل انحياز، وإنما يعني أنه يستطيع أن يصبح أكثر وعيًا بحدوده وأكثر استعدادًا لتصحيح أخطائه وهنا تظهر المفارقة: العقل هو أداتنا لفهم العالم، لكنه يحتاج بدوره إلى أن يصبح موضوعًا للفهم. إنه مرآة نرى من خلالها الأشياء، غير أن هذه المرآة نفسها قد تحتاج إلى التنظيف من آثار التجارب والأحكام المسبقة واليقين المتسرع حين يصبح السؤال بداية الحكمة
قد يكون السؤال «من يقود العقل؟» أكثر أهمية من أي إجابة سريعة نحاول تقديمها له؛ لأنه يدعونا إلى التوقف أمام أفكارنا بدل التعامل معها بوصفها حقائق نهائية، وإلى مراجعة دوافعنا بدل افتراض أننا نتصرف دائمًا بمنطق خالص
فليس كل ما نفكر فيه صحيحًا، وليس كل ما نشعر به دليلًا، وليس كل ما نؤمن به قد اخترناه بحرية كاملة. ومع ذلك، تظل لدينا فرصة للتعلم والمراجعة وتوسيع فهمنا لأنفسنا وللآخرين
إن الحكمة لا تبدأ عندما يظن الإنسان أنه يعرف كل شيء، بل عندما يدرك أن عقله، على الرغم من قدرته، ليس معصومًا من الخطأ؛ وأن قوة التفكير لا تكمن في التمسك بالرأي، بل في القدرة على اختباره
وربما كان السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا ليس فقط: «من يقود العقل؟»، بل أيضًا: «هل نملك الشجاعة لنراجع ما يقودنا، حتى عندما نكتشف أن بعض قناعاتنا التي دافعنا عنها طويلًا لم تكن بالحقيقة التي تخيلناها؟»
ففي اللحظة التي يجرؤ فيها الإنسان على مساءلة أفكاره، لا يفقد عقله سلطته، بل يبدأ في استخدامها بوعي أكبر.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock