
أولى صيدلة… بين رهبة البداية وحلم البالطو الأبيض
رحلة من الخوف إلى الثقة، ومن الحلم إلى المسؤولية
هناك لحظات في حياة الإنسان لا تُنسى، لأنها لا تمثل مجرد بداية لمرحلة جديدة، بل تكون نقطة تحول في طريقة تفكيره ونظرته إلى المستقبل. وكان دخولي إلى كلية الصيدلة واحدة من تلك اللحظات التي امتزجت فيها مشاعر الفرح والفخر بشيء من القلق والخوف من المجهول.
لم يكن الأمر مجرد انتقال من المرحلة الثانوية إلى الحياة الجامعية، بل كان انتقالًا من عالم اعتدت تفاصيله إلى عالم جديد يحمل الكثير من التحديات والمسؤوليات والطموحات.
اليوم الأول… خطوات مترددة وأحلام كبيرة
ما زلت أتذكر مشاعر اليوم الأول، حين دخلت بوابة الكلية وأنا أتأمل المباني وقاعات المحاضرات والمعامل، وأرى وجوهًا جديدة يجمعها حلم واحد، وإن اختلفت طموحات أصحابها.
كانت الأسئلة تتزاحم في ذهني: هل سأستطيع التأقلم مع طبيعة الدراسة؟ وهل سأتمكن من استيعاب كل هذه العلوم والمصطلحات؟ وهل سأكون يومًا على قدر المسؤولية التي تفرضها مهنة الصيدلة؟
لكن وسط هذه التساؤلات، كان هناك شعور أقوى من الخوف، وهو الإيمان بأن كل حلم كبير لا بد أن يبدأ بخطوة، وأن الطريق إلى النجاح لا يخلو من الصعوبات.
بين قاعات المحاضرات ومعامل العلم
مع مرور الأيام، بدأت أكتشف أن دراسة الصيدلة أعمق بكثير مما كنت أتصور. فالصيدلة ليست مجرد معرفة أسماء الأدوية واستخداماتها، وإنما علم واسع يجمع بين الكيمياء والأحياء والتشريح والفسيولوجيا وغيرها من العلوم التي تساعد على فهم جسم الإنسان والدواء وتأثيره.
أدركت أن كل محاضرة تحمل معلومة قد تصبح يومًا سببًا في حماية مريض من خطر، أو مساعدته على استعادة صحته.
وهنا تغيرت نظرتي إلى الدراسة؛ فلم تعد الدرجات وحدها هي الهدف، بل أصبح الفهم الحقيقي وبناء المعرفة العلمية هما الأساس الذي ينبغي أن أسعى إليه.
صعوبات البداية… دروس لا تُنسى
لم تكن الأيام الأولى سهلة كما تخيلت. فقد وجدت نفسي أمام محاضرات متتالية، ومصطلحات علمية جديدة، ومعامل تحتاج إلى التركيز والدقة، إلى جانب ضرورة تنظيم الوقت بين المذاكرة والحياة الشخصية.
وفي بعض اللحظات، شعرت بالإرهاق والقلق من تراكم المواد، لكنني تعلمت أن النجاح لا يتحقق في يوم واحد، وأن الاستمرار في بذل الجهد، مهما كان بسيطًا، أفضل من الاستسلام أمام صعوبة البداية.
كما اكتشفت قيمة الزمالة الحقيقية؛ فوجود أصدقاء نتبادل معهم المعلومات ونساعد بعضنا على الفهم جعل الطريق أكثر سهولة، وأكد لي أن الحياة الجامعية ليست منافسة على الدرجات فقط، بل تجربة إنسانية نتعلم فيها التعاون وتحمل المسؤولية.
أولى صيدلة… سنة لبناء الإنسان قبل الصيدلي
أهم ما أدركته خلال هذه التجربة أن السنة الأولى ليست مجرد مجموعة من المواد الدراسية التي يجب اجتيازها، بل هي مرحلة تأسيس علمي وشخصي.
تعلمت أن تنظيم الوقت ضرورة، وأن المذاكرة المنتظمة أكثر فاعلية من تأجيل كل شيء إلى ليلة الامتحان، وأن السؤال ليس دليلًا على ضعف المعرفة، بل علامة على الرغبة في التعلم.
وتعلمت أيضًا ألا أقارن بدايتي بإنجازات الآخرين؛ فلكل إنسان قدراته وظروفه وطريقته في الوصول إلى هدفه.
والأهم من ذلك أنني بدأت أفهم أن النجاح الحقيقي لا يُقاس فقط بالتقديرات، وإنما بما يكتسبه الإنسان من علم وأخلاق وانضباط وقدرة على مواجهة التحديات.
رسالة إلى كل طالب يبدأ رحلته
إلى كل طالب يخطو خطواته الأولى داخل كلية الصيدلة، لا تجعل رهبة البداية تُنسيك فرحة الوصول.
قد تواجه أيامًا صعبة، وقد تشعر أحيانًا أن الطريق طويل، لكن تذكر أن كل محاضرة تفهمها، وكل معلومة تتعلمها، وكل تحدٍّ تتجاوزه، يقربك خطوة من حلمك.
لا تخجل من السؤال، ولا تؤجل عمل اليوم إلى الغد، واختر من الأصدقاء من يعينك على النجاح، وامنح نفسك وقتًا للراحة حتى تستطيع مواصلة الطريق.
وتذكر دائمًا أن البالطو الأبيض ليس مجرد رمز لمهنة مرموقة، بل عنوان لمسؤولية إنسانية عظيمة، أساسها العلم والأمانة والرحمة.
وفي النهاية… الحلم يستحق المحاولة
ربما لا تزال رحلتي في بدايتها، وربما ينتظرني الكثير من الاختبارات والتحديات، لكنني أصبحت أكثر يقينًا بأن الطريق الذي اخترته يستحق الصبر والاجتهاد.
فكل يوم أقضيه في التعلم هو خطوة نحو المستقبل الذي أتمناه، وكل صعوبة أتجاوزها تمنحني ثقة أكبر في قدرتي على الاستمرار.
لقد علمتني بداية الدراسة في كلية الصيدلة أن الأحلام لا تتحقق بمجرد الوصول إلى أبواب الكلية، وإنما تبدأ رحلتها الحقيقية من داخلها.
فالصيدلة ليست مجرد شهادة نعلقها على الجدران، ولا بالطو أبيض نرتديه بفخر، بل علم نحمله، وأمانة نؤديها، ورسالة إنسانية نعيش من أجلها.
وما زلت في أول الطريق… لكنني مؤمن بأن أجمل ما في الأحلام ليس الوصول إليها فقط، بل الإنسان الذي نصبح عليه ونحن نسعى لتحقيقها.



