أقلام حره

حين يتحول ضبط الفصل إلى معركة يومية: من المسؤول عن تزايد المشكلات السلوكية لدى المراهقين؟

بقلم: الأستاذة كاميليا اليدون

كوتش تربوي متخصصة في صعوبات واضطرابات التعلم

لم تعد المشكلات السلوكية داخل الفصول الدراسية مجرد مواقف عابرة يمكن تجاوزها ببعض التنبيهات، بل أصبحت من التحديات التي تؤرق عددا من المدرسين، خاصة في المرحلتين الإعدادية والثانوية، حيث تتكرر سلوكيات تعرقل سير الدروس، وتؤثر في المناخ الصفي، وتستنزف جزءا كبيرا من طاقة المدرس وجهده.

بين كثرة الكلام، ومقاطعة المدرس، ورفض التعليمات، والاستهزاء بالآخرين، والتحدي المتكرر، وعدم احترام القواعد المنظمة للحياة المدرسية، يجد المدرس نفسه أحيانا مضطرا إلى قضاء وقت طويل في ضبط الفصل، بدل التركيز على مهمته الأساسية: التعليم والتوجيه وبناء التعلمات.

وهنا يبرز سؤال جوهري: هل أصبح ضبط الفصل معركة يومية يخوضها المدرس بمفرده؟ ومن المسؤول عن تزايد هذه السلوكيات؟

المراهقة ليست مبررا لكل سلوك

لا يمكن مناقشة السلوكيات الصادرة عن المراهقين دون فهم الخصائص النفسية والاجتماعية لهذه المرحلة. فالمراهق يعيش تحولات متعددة، ويسعى إلى إثبات ذاته والاستقلال عن الكبار، كما تزداد حاجته إلى الانتماء إلى جماعة الأقران والحصول على الاعتراف والتقدير.

وقد تدفعه هذه التحولات إلى اختبار الحدود، أو الاعتراض على التعليمات، أو تقليد سلوكيات معينة لكسب اهتمام زملائه. لكن فهم خصوصية المراهقة لا يعني تبرير كل تصرف، ولا إعفاء المتعلم من مسؤولية سلوكه.

فالمراهق يحتاج إلى الحزم، لكنه يحتاج أيضا إلى الاحترام. يحتاج إلى قواعد واضحة، لكنه يحتاج كذلك إلى أن يفهم الغاية منها. ويحتاج إلى من يصحح أخطاءه دون أن يمس كرامته أو يحولها إلى مصدر دائم للإحباط.

إن التحدي الحقيقي هو أن نميز بين السلوك الذي يعكس حاجة نمائية طبيعية، والسلوك الذي يتطلب تدخلا تربويا منظما، دون تهوين للمشكلة أو مبالغة في تفسيرها.

من أين تأتي هذه السلوكيات؟

من الخطأ اختزال المشكلات السلوكية في سوء التربية أو غياب الانضباط، كما أنه من الخطأ إرجاعها كلها إلى المدرسة أو المدرس. فالسلوك الإنساني نتاج تفاعل عوامل متعددة، وقد تختلف أسباب السلوك نفسه من متعلم إلى آخر.

1. الأسرة والتنشئة الاجتماعية

قد يؤثر غياب التواصل الأسري، أو التذبذب في تطبيق القواعد، أو النزاعات المستمرة داخل الأسرة في قدرة المتعلم على احترام الحدود وتنظيم انفعالاته. كما أن بعض الأسر قد تجد صعوبة في متابعة أبنائها خلال مرحلة المراهقة، إما بسبب ضغوط الحياة أو ضعف التواصل مع المؤسسة التعليمية.

ومع ذلك، لا يجوز اعتبار الأسرة وحدها مسؤولة عن كل سلوك يصدر عن أبنائها؛ فالتنشئة عامل مهم، لكنها ليست العامل الوحيد.

2. العوامل النفسية والانفعالية

قد يكون السلوك المزعج تعبيرا عن القلق أو الإحباط أو الحاجة إلى الاهتمام، وقد يرتبط بضعف الثقة بالنفس أو صعوبة تنظيم الانفعالات. وفي بعض الحالات، يمكن أن تتداخل صعوبات التعلم والانتباه مع السلوكيات الصفية، خاصة عندما يواجه المتعلم الفشل المتكرر أو يجد صعوبة في مسايرة إيقاع الدرس.

فالمتعلم الذي يقاطع الدرس باستمرار قد لا يبحث دائما عن إزعاج المدرس؛ وربما يحاول لفت الانتباه، أو الهروب من مهمة يشعر بالعجز أمامها، أو إخفاء صعوبة لا يستطيع التعبير عنها.

وهنا تبرز أهمية فهم وظيفة السلوك قبل إصدار الأحكام.

3. تأثير الأقران ووسائل التواصل الاجتماعي

أصبح بعض المراهقين يعيشون تحت تأثير مستمر للمحتوى الرقمي، ولما يروج له من سلوكيات تقوم على الاستفزاز والسخرية والسعي إلى لفت الأنظار. وقد تنتقل بعض هذه الأنماط إلى الفصل الدراسي، حيث يصبح تحدي المدرس أو إضحاك الزملاء وسيلة للحصول على المكانة داخل المجموعة.

غير أن تأثير الوسائط الرقمية يختلف من شخص إلى آخر، ولا ينبغي تحويلها إلى تفسير جاهز لكل مشكلة سلوكية.

4. المناخ المدرسي والممارسات التربوية

قد تتفاقم المشكلات عندما تكون القواعد الصفية غير واضحة، أو عندما يغيب الاتساق في تطبيقها، أو عندما تتحول العلاقة بين المدرس والمتعلم إلى صراع مستمر حول السلطة.

كما أن الاكتظاظ، وضغط المقررات، وضيق الوقت، وضعف فرص الدعم الفردي، كلها عوامل قد تجعل إدارة الفصل أكثر صعوبة.

وهذا لا يعني تحميل المدرس مسؤولية السلوكيات التي يواجهها، بل الاعتراف بأن جودة البيئة التعليمية تؤثر في فرص الوقاية منها والحد من آثارها.

المدرس بين رسالته التربوية والاستنزاف اليومي

من الجوانب التي لا تحظى دائما بما يكفي من الاهتمام ما يعيشه المدرس عندما يتحول ضبط الفصل إلى مهمة يومية مرهقة.

تكرار التنبيهات، ورفع الصوت، وإعادة شرح التعليمات مرات عديدة، والدخول في نقاشات متواصلة حول قواعد بسيطة، كلها ممارسات تستنزف الجهد الذهني والانفعالي.

وقد يجد المدرس نفسه في نهاية الحصة مرهقا، لا بسبب صعوبة المحتوى الدراسي فحسب، بل بسبب الطاقة التي استهلكها في محاولة الحفاظ على الحد الأدنى من النظام.

ومع تراكم هذه التجارب، قد يشعر بعض المدرسين بالإحباط أو فقدان السيطرة، وقد يلجؤون إلى الصراخ أو العقاب المتكرر، اعتقادا منهم أنهما الوسيلتان المتبقيتان لاستعادة الهدوء.

لكن الصراخ، وإن حقق الهدوء مؤقتا في بعض الحالات، لا يضمن بناء الانضباط الذاتي لدى المتعلم. وقد يؤدي، عندما يصبح أسلوبا دائما، إلى زيادة التوتر وإضعاف العلاقة التربوية.

وفي المقابل، لا يمكن مطالبة المدرس بممارسة الحزم الهادئ والاحتواء المستمر دون توفير التكوين والدعم والظروف التي تساعده على ذلك.

إن حماية المدرس من الاستنزاف ليست امتيازا مهنيا، بل شرط أساسي لضمان جودة التعليم واستقرار المناخ الصفي.

هل الحل في العقاب أم في التساهل؟

بين من يدعو إلى التشدد والعقوبات، ومن يدعو إلى الاحتواء والتفهم، قد تضيع الحقيقة التربوية الأساسية: لا يمكن بناء الانضباط بالتخويف وحده، ولا يمكن بناؤه بالتساهل مع كل السلوكيات.

التربية الفعالة تقوم على التوازن بين الحزم والاحترام، وبين الحقوق والمسؤوليات.

فالمدرس يحتاج إلى قواعد واضحة يلتزم بها الجميع، وإلى صلاحيات تربوية تساعده على التدخل عند الضرورة. والمتعلم، في المقابل، يحتاج إلى أن يعرف أن لكل سلوك نتيجة، وأن احترام الآخرين ليس أمرا اختياريا.

لكن تصحيح السلوك يجب أن يستهدف الفعل، لا كرامة صاحبه. فهناك فرق كبير بين أن نقول للمتعلم إن تصرفه غير مقبول، وبين أن نصفه بأنه سيئ أو فاشل أو عديم التربية.

الأولى تضع حدا للسلوك وتفتح المجال للتغيير، أما الثانية فقد تدفعه إلى الدفاع عن نفسه أو التمادي في التصرف أو فقدان الثقة بذاته.

ماذا يمكن أن نفعل عمليا؟

إن مواجهة المشكلات السلوكية تتطلب الانتقال من ردود الفعل المتسرعة إلى تدخلات تربوية واضحة ومتدرجة، ومن أبرز الإجراءات الممكنة:

أولا: وضع قواعد صفية واضحة وثابتة. ينبغي أن يعرف المتعلمون السلوكيات المقبولة والمرفوضة، وأن تكون النتائج المترتبة على المخالفات معروفة وعادلة ومتسقة.

ثانيا: عدم تحويل كل مخالفة إلى مواجهة. فالتدخل الهادئ والمختصر، وتجنب الجدال أمام الزملاء، يساعدان في كثير من الحالات على الحد من تصعيد الموقف.

ثالثا: تعزيز السلوك الإيجابي. من المهم ألا يتركز اهتمام المدرس على الأخطاء وحدها، بل أن يلاحظ أيضا الالتزام والمبادرة واحترام الآخرين، وأن يقدم تغذية راجعة محددة تساعد المتعلم على معرفة ما يقوم به بشكل صحيح.

رابعا: تنويع أساليب التدريس. قد يسهم الملل أو عدم فهم المهمة أو طول الشرح في ظهور بعض السلوكيات المشتتة. لذلك، فإن إشراك المتعلمين في الأنشطة، وتجزئة التعليمات، وتنويع طرائق التعلم، قد يساعد على تحسين المشاركة والانضباط.

خامسا: فهم السلوك المتكرر وتحليل أسبابه. من المفيد ملاحظة ما يحدث قبل السلوك وأثناءه وبعده، والبحث عن الظروف التي تزيد من احتماله. فقد يحتاج المتعلم إلى دعم أكاديمي، أو اهتمام منظم، أو مساعدة في إدارة انفعالاته، وليس إلى عقوبة إضافية بالضرورة.

سادسا: تعزيز التواصل مع الأسرة. عندما يتكرر السلوك أو يؤثر بوضوح في التعلم والعلاقات، ينبغي التواصل مع الأسرة بروح التعاون، وتبادل الملاحظات، والاتفاق على خطوات عملية للمتابعة.

سابعا: تفعيل الدعم التربوي والنفسي. بعض الحالات تتطلب تدخلا يتجاوز إمكانات المدرس داخل الفصل، خاصة عندما تكون السلوكيات شديدة أو مستمرة أو مرتبطة بصعوبات أخرى. وهنا تبرز أهمية التعاون مع الإدارة والأطر المختصة، مع احترام خصوصية المتعلم وكرامته.

مسؤولية مشتركة لا يجوز أن يتحملها طرف واحد

إن تزايد المشكلات السلوكية لا يمكن مواجهته بمبادرات فردية معزولة، ولا بتحميل المدرس وحده مسؤولية ضبط الفصل.

فالأسرة مسؤولة عن التنشئة والمتابعة، والمدرس مسؤول عن التدبير التربوي داخل الفصل، والإدارة مسؤولة عن توفير بيئة مدرسية منظمة وتفعيل القواعد، كما تتحمل المنظومة التعليمية مسؤولية توفير التكوين والدعم اللازمين.

وتحتاج المدرسة أيضا إلى الاستثمار في تنمية المهارات الاجتماعية والانفعالية لدى المتعلمين، مثل الحوار، واحترام الاختلاف، وحل النزاعات، وضبط الانفعالات، وتحمل المسؤولية.

فالانضباط ليس مجرد تعليمات تُلقى على المتعلمين، بل مهارات تُكتسب بالممارسة والتوجيه والقدوة والتدرج.

خاتمة: أي مدرسة نريد لأبنائنا؟

إن تزايد المشكلات السلوكية داخل الفصول الدراسية يستدعي وقفة تربوية جادة، لا تقوم على الحنين إلى أساليب العقاب القديمة، ولا على التساهل مع السلوكيات التي تعطل التعلم، بل على بناء توازن حقيقي بين الحزم والاحترام، وبين الحقوق والمسؤوليات.

نريد مدرسة تحمي حق المتعلم في التعلم، وتحمي حق المدرس في أداء رسالته في ظروف تحفظ كرامته، وتمنح الجميع فرصة للنمو والتطور.

نريد فصلا دراسيا لا يخاف فيه المتعلم من الخطأ، لكنه يتعلم تحمل مسؤولية أفعاله، ولا يضطر فيه المدرس إلى رفع صوته باستمرار حتى يُسمع، بل يجد أدوات تربوية ومؤسساتية تساعده على أداء دوره.

إن السؤال الحقيقي ليس فقط: من المسؤول عن تزايد المشكلات السلوكية؟ بل أيضا: كيف يمكن لكل طرف أن يساهم في الحد منها؟

فحين يتحول ضبط الفصل إلى معركة يومية، فإننا لا نحتاج فقط إلى مطالبة المدرس بمزيد من الصبر، بل نحتاج إلى فهم أعمق للسلوك، وتعاون حقيقي بين الأسرة والمدرسة، وسياسات تربوية تجعل الانضباط مسؤولية مشتركة وبناء الشخصية هدفا أساسيا للتعليم.

—

بقلم: الأستاذة كاميليا اليدون

كوتش تربوي متخصصة في صعوبات واضطرابات التعلم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock