
القاهرة تستضيف المدرسة الدولية الثامنة للبرديات القبطية لأول مرة خارج أوروبا
حدث أكاديمي دولي يعزز مكانة مصر كمركز رئيسي لدراسة اللغة القبطية والبرديات والتراث الوثائقي المصري
كتب اشرف ابواليزيد
اختُتمت في القاهرة أعمال المدرسة الدولية الثامنة للبرديات القبطية (The 8th International Summer School in Coptic Papyrology)، التي عُقدت خلال الفترة من 26 سبتمبر إلى 2 أكتوبر 2026 في المتحف المصري بالقاهرة، بمشاركة نخبة من الباحثين والمتخصصين في علم البرديات والدراسات القبطية من مصر وعدد من المؤسسات والجامعات الأوروبية والدولية.
وتكتسب هذه الدورة أهمية استثنائية في تاريخ المدرسة، إذ تمثل المرة الأولى التي تُعقد فيها المدرسة خارج القارة الأوروبية، بعد أن استضافت مؤسسات أوروبية دوراتها السابقة، من بينها المدرسة السابعة التي عُقدت عام 2023 في متحف إيجيتسيو بمدينة تورينو الإيطالية. (Museo Egizio)
ويمثل انتقال المدرسة إلى القاهرة خطوة ذات دلالة علمية ورمزية كبيرة؛ فمصر ليست فقط موطن معظم المادة الوثائقية التي تقوم عليها دراسة البرديات القبطية، وإنما تمثل كذلك البيئة التاريخية والثقافية التي نشأت فيها هذه النصوص وتطورت ضمنها اللغة القبطية ومجالات استخدامها المختلفة.
وقد ركز البرنامج العلمي للمدرسة على دراسة البرديات القبطية، وقراءة النصوص وتحليلها، والجوانب اللغوية والنصية والمادية للوثائق، إلى جانب التدريب العملي على إعداد النصوص البردية ونشرها علميًا. كما أتاحت المدرسة للمشاركين فرصة العمل المباشر على المادة الأصلية، بما يربط بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي في علم البرديات.
وشارك في البرنامج عدد من أبرز المتخصصين الدوليين في مجال البرديات والدراسات القبطية، من بينهم د. لايوس بيركس (Lajos Berkes) من برلين، ود. إستر غاريل (Esther Garel) من ستراسبورغ، ود. كورشي دوسو (Korshi Dosoo) من باريس، إلى جانب محاضرين وباحثين من جامعات ومؤسسات علمية أوروبية ومصرية. كما تضمنت قائمة المتحدثين البروفيسور جاك فان دير فليت (Jacques van der Vliet) من جامعة ليدن، والبروفيسور تونيو سيباستيان ريختر (Tonio Sebastian Richter) من برلين، والبروفيسورة آن بودهورس (Anne Boud’hors) من باريس، والأستاذ الدكتور ماهر عيسى من جامعة الفيوم.
حضور مصري بارز
تميزت الدورة الثامنة بحضور مصري أكاديمي واضح، ليس فقط من خلال مشاركة عدد من الباحثين والمتخصصين المصريين، وإنما أيضًا من خلال إتاحة الفرصة لجيل جديد من الباحثين وطلاب الدراسات العليا في الجامعات المصرية للتفاعل المباشر مع نخبة من أبرز المتخصصين الدوليين في علم البرديات القبطية.
ومن بين المشاركات المصريات البارزات الدكتورة فاطمة الجبالي من جامعة الفيوم، التي مثلت حضورًا أكاديميًا مصريًا مهمًا في هذا الحدث الدولي، إلى جانب الأستاذة رودينا بيومي، طالبة الدكتوراه بجامعة الفيوم والعاملة بوزارة السياحة والآثار، والتي شاركت ضمن جيل الباحثين المصريين الشباب المهتمين بالدراسات القبطية والبردية.
كما شاركت الدكتورة مارتينا جورج إبراهيم، المدرس المساعد بكلية الآثار بجامعة عين شمس، وكريستين فوزي باحثة دكتوراة جامعة الفيوم.
وشهدت المدرسة كذلك مشاركة عدد من طلاب الدكتوراه والباحثين الشباب من الجامعات المصرية، وهو ما يمثل جانبًا بالغ الأهمية من أهداف هذا النوع من المدارس الدولية؛ إذ لا تقتصر فائدتها على تقديم المحاضرات الأكاديمية، وإنما تسهم في بناء جيل جديد من الباحثين القادرين على التعامل مع المصادر القبطية الأصلية وفق المناهج والمعايير العلمية الحديثة.
لجنة التنظيم
جاء تنظيم هذه الدورة ثمرة تعاون علمي ومؤسسي بين عدد من المؤسسات المصرية والدولية، وشارك في لجنة التنظيم عدد من الأكاديميين والمتخصصين المصريين والدوليين.
وضمت لجنة التنظيم، بحسب البرنامج الرسمي، الأستاذ الدكتور لؤي محمود من مكتبة الإسكندرية، والأستاذ الدكتور علي عبد الحليم من المتحف المصري بالقاهرة، والدكتورة زينب حنفي من مكتبة الإسكندرية، والدكتورة نسرين منير من وزارة السياحة والآثار، والأستاذ الدكتور ماهر عيسى من جامعة الفيوم
وكان للحضور المصري داخل اللجنة التنظيمية أهمية خاصة في إنجاح استضافة هذا الحدث الدولي في القاهرة، بما يعكس قدرة المؤسسات والباحثين المصريين على المشاركة الفاعلة في تنظيم برامج علمية دولية متخصصة في مجال الدراسات القبطية والبرديات.
القاهرة ومصر في قلب الدراسات القبطية
إن عقد المدرسة الدولية للبرديات القبطية في القاهرة للمرة الأولى خارج أوروبا يحمل رسالة علمية واضحة: أن دراسة البرديات القبطية لا يمكن فصلها عن مصر، باعتبارها البيئة التاريخية والجغرافية والثقافية التي أنتجت هذه الوثائق وحفظت جزءًا كبيرًا من تراثها.
فالوثائق القبطية لا تمثل مجرد مصادر لدراسة اللغة، وإنما تفتح نافذة واسعة على الحياة اليومية للمصريين في العصور المتأخرة والعصر البيزنطي وبدايات العصر الإسلامي، بما تتضمنه من عقود ووثائق قانونية وإدارية وحسابات وإيصالات ورسائل ووثائق دينية وتعليمية وغيرها. وتكشف هذه المادة عن جوانب اجتماعية واقتصادية وقانونية ولغوية وثقافية من تاريخ مصر.
ومن هنا، فإن استضافة القاهرة لهذه المدرسة تمثل أكثر من مجرد نقل مكان انعقاد فعالية أكاديمية؛ فهي خطوة باتجاه تعزيز التواصل بين مدارس الدراسات القبطية في مصر وأوروبا، وإعادة ربط التدريب الأكاديمي الدولي بالمادة الأصلية وبيئتها التاريخية، وفتح مساحات أوسع أمام الباحثين المصريين الشباب للمشاركة في المجتمع العلمي الدولي.
جسر بين الأجيال والمؤسسات
وقد أظهرت الدورة الثامنة أهمية التعاون بين الجامعات المصرية والمؤسسات البحثية والمتاحف والجهات المعنية بالتراث، إلى جانب المؤسسات الأكاديمية الأوروبية.
كما قدمت المدرسة نموذجًا للتعاون بين الباحثين ذوي الخبرة والجيل الجديد من طلاب الدكتوراه والباحثين الشباب، بما يسمح بنقل الخبرات المتعلقة بقراءة البرديات القبطية، ودراسة الكتابات القدي



