أقلام حره

الشخصية السيكوباثية واضطرابات الشخصية لدى الأفراد

 بقلم د. اسماء فليح ابراهيم الصليخي
دكتوراه في علم النفس التربوي
جامعة بابل.قسم العلوم التربويه والنفسية
باحثة اجتماعية. وزارة التربية / المديرية العامة لتربية بابل
العراق / بابل

وتبرز أهمية دراسة السيكوباثية واضطرابات الشخصية من خلال تأثيرها المحتمل في العلاقات الأسرية والاجتماعية والمهنية وفي قدرة الفرد على بناء علاقات قائمة على الثقة والاحترام والتبادل العاطفي. كما أن فهم هذه الظواهر يساعد المختص النفسي على التعامل معها بعيدًا عن الأحكام الأخلاقية المسبقة أو الوصم الاجتماعي، وبما ينسجم مع المبادئ الإنسانية والمهنية في علم النفس.
ويهدف هذا المقال إلى تناول السيكوباثية واضطرابات الشخصية من منظور نفسي شامل مع التركيز على الجوانب الإنسانية والاجتماعية والفكرية فضلًا عن مناقشة المفاهيم الأساسية والخصائص والعوامل المرتبطة بها وطرق التشخيص والتدخل النفسي.
تُعد الشخصية من أهم الموضوعات التي حظيت باهتمام علم النفس لما لها من دور أساسي في تفسير أنماط التفكير والانفعال والسلوك، وفي فهم الطريقة التي يتفاعل بها الفرد مع ذاته والآخرين والبيئة المحيطة به وتختلف الشخصيات الإنسانية في سماتها وخصائصها تبعًا لعوامل بيولوجية ونفسية وأسرية واجتماعية وثقافية إلا أن بعض أنماط الشخصية قد تصبح شديدة الصلابة وعدم المرونة، بحيث تؤثر بصورة سلبية في حياة الفرد وعلاقاته وقدرته على التكيف ويُطلق على هذه الحالات بصورة عامة اضطرابات الشخصية.

تظهر أهمية السيكوباثية واضطرابات الشخصيةبصورة واضحة في العلاقات الاجتماعية .فقد يواجهبعض الأفراد صعوبات في بناء علاقات مستقرةبسبب ضعف الثقة المتبادلة، أو الخداع، أوالاستغلال، أو عدم الالتزام أو التلاعب العاطفي.

وقد تمتد هذه الصعوبات إلى الأسرة والعملوالصداقات ففي البيئة المهنية قد يؤدي السلوك غيرالمسؤول أو الاستغلالي إلى صراعات داخل الفريقبينما يمكن أن يؤدي ضعف الالتزام إلى فقدان الثقة أما في الأسرة فقد تظهر مشكلات تتعلق بالمسؤوليةأو التعاطف أو الاستقرار العاطفي.

ومن المهم هنا عدم استخدام مفهوم السيكوباثيةلوصف كل شخص صعب التعامل معه أو كلشخص أناني أو كاذب؛ لأن التشخيص النفسييتطلب معايير وتقييمًا متخصصًا ومن بين الموضوعات التي أثارت اهتمامًا واسعًا في علم النفس والطب النفسي مفهوم السيكوباثية(Psychopathy)، وهو مفهوم معقد يرتبط بمجموعة من السمات من بينها ضعف التعاطف والندم، والتلاعب بالآخرين، والسطحية الانفعالية، والاستغلال، وبعض أنماط السلوك غير المسؤول أو المخالف للقواعد. ولا ينبغي النظر إلى السيكوباثية على أنها مجرد مرادف للجريمة أو العنف؛ إذ إن المفهوم النفسي أكثر تعقيدًا من ذلك، كما أن وجود بعض السمات السيكوباثية لا يعني بالضرورة أن الفرد ارتكب جريمة. لا يمكن فهم السيكوباثية بصورة دقيقة من خلال عامل واحد فالمنظور النفسي الحديث يميل إلى دراسة التفاعل بين العوامل البيولوجية والمعرفية والانفعالية والاجتماعية.
فقد توجد استعدادات فردية معينة، ثم تتفاعل مع البيئة والخبرات والتنشئة والعلاقات، فتتطور أنماط شخصية معينة. كما يمكن للعوامل الاجتماعية والثقافية أن تؤثر في طريقة ظهور هذه السمات والتعبير عنها.
ومن هنا تظهر أهمية النظرة التكاملية التي لا تنسب الظاهرة إلى الوراثة وحدها، ولا إلى البيئة وحدها، وإنما تدرس التفاعل بين مختلف المستويات تتصل السيكوباثية أيضًا ببعض الجوانب المعرفية، ولا سيما طريقة معالجة المعلومات واتخاذ القرارات وفهم الآخرين.

وقد يتمتع بعض الأفراد ذوي السمات السيكوباثية بقدرات معرفية جيدة، ولذلك فإن وجود هذه السمات لا يعني انخفاض الذكاء كما أن القدرة على فهم أفكار الآخرين قد تكون مختلفة عن القدرة على التعاطف معهم فقد يستطيع الفرد استنتاج ما يفكر فيه شخص آخر واستخدام هذه المعرفة في التفاعل معه دون أن يكون لديه بالضرورة شعور وجداني مماثل لمشاعر ذلك الشخص.ومن هنا يمكن التمييز بين التعاطف المعرفي والتعاطف الوجداني فالأول يتعلق بفهم الحالة النفسية للآخر، بينما يرتبط الثاني بالاستجابة العاطفية لمشاعره.
وبذلك فإن دراسة السيكوباثية لا تقتصر على فهم الشخص الذي يمتلك هذه السمات، بل تمتد إلى فهم طبيعة الإنسان نفسه كيف تتشكل الشخصية؟ كيف يتطور التعاطف؟ كيف تؤثر العلاقات والخبرات في السلوك؟ وكيف يستطيع المجتمع أن يوازن بين المسؤولية والحماية والرحمة؟ وهذه الأسئلة تجعل الموضوع ذا أهمية علمية وإنسانية واجتماعية وفكرية واسعة في مجال علم النفس.

يعد مفهوم الشخصية هي منظومة متكاملة نسبيًا من السمات والأنماط النفسية التي تميز الفرد، وتشمل طريقة تفكيره وانفعالاته ودوافعه واستجاباته وسلوكه في المواقف المختلفة. ولا تتكون الشخصية من عامل واحد، وإنما تتفاعل في تشكيلها عوامل متعددة، منها الاستعدادات البيولوجية، والخبرات المبكرة، وأساليب التنشئة الأسرية، والتعليم، والعلاقات الاجتماعية والثقافة.
وتتميز الشخصية السوية بدرجة من المرونة تسمح للفرد بتعديل سلوكه وفقًا للمواقف المختلفة، مع المحافظة على قدر من الاستقرار في هويته وقيمه أما عندما تصبح بعض السمات شديدة الثبات وغير مرنة، وتؤدي إلى مشكلات مستمرة في التكيف أو العلاقات أو العمل، فقد تصبح ذات أهمية إكلينيكية.
ويؤكد المنظور الحديث للشخصية أن الاختلاف بين الأفراد لا يعني بالضرورة وجود مرض نفسي فوجود سمة مثل الحذر أو الانطواء أو الحزم قد يكون جزءًا طبيعيًا من التنوع الإنساني وتصبح السمات مشكلة عندما تكون شديدة أو جامدة أو تسبب معاناة أو تعطيلًا واضحًا في مجالات الحياة.

تعد اضطرابات الشخصية هي أنماط مستمرة من التفكير والانفعال والسلوك تختلف بصورة ملحوظة عن التوقعات الثقافية وتظهر عبر مجموعة من المواقف والعلاقات، وتكون ذات طبيعة ثابتة نسبيًا، وقد تؤدي إلى صعوبات في الأداء الاجتماعي أو المهني أو الشخصي.
تُعد السيكوباثية من المفاهيم النفسية التي لها تاريخ طويل ومثير للجدل. وقد ارتبط تطورها العلمي بأعمال عدد من الباحثين، ومن أبرزهم هيرفي كليكلي الذي قدم في كتابه The Mask of Sanity))وصفًا سريريًا مؤثرًا للسيكوباثية.
وأشار كليكلي إلى مجموعة من الخصائص، منها السطحية في العلاقات، والجاذبية الظاهرية، والقدرة على تقديم صورة اجتماعية تبدو طبيعية، مع وجود خلل أعمق في التعاطف والمسؤولية والصدق والالتزام الأخلاقي.
وفي الدراسات المعاصرة ارتبط مفهوم السيكوباثية بصورة بارزة بأعمال روبرت هير (Robert Hare)، الذي طور أدوات لتقييم السمات السيكوباثية في السياقات السريرية والبحثية، ويجب التفريق بين السيكوباثية وبين اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع فهناك تداخل بين المفهومين، لكنهما ليسا متطابقين تمامًا. فالاضطراب المعادي للمجتمع يركز بدرجة أكبر على نمط مستمر من تجاهل حقوق الآخرين والقواعد الاجتماعية، بينما تركز السيكوباثية بصورة أكبر على مجموعة من السمات الشخصية والعاطفية، مثل انخفاض التعاطف والندم والسطحية والتلاعب.
ومن الخصائص المرتبطة بالشخصية االسيكوباثية ضمن عدة أبعاد رئيسية:
1
– ضعف التعاطف
يُعد انخفاض القدرة على فهم مشاعر الآخرين أو الاستجابة لها بصورة وجدانية من السمات المهمة المرتبطة بالسيكوباثية. وقد يستطيع الفرد فهم ما يشعر به الآخر بصورة معرفية، لكنه قد لا يشارك ذلك الشعور بصورة عاطفية طبيعية.
2
– انخفاض الشعور بالذنب والندم
قد يظهر لدى بعض الأفراد ذوي السمات السيكوباثية ضعف في الشعور بالذنب عند إلحاق الضرر بالآخرين، أو قدرة على تبرير السلوك بدلًا من تحمّل مسؤوليته.
– 3 التلاعب بالآخرين
قد يستخدم الفرد أساليب نفسية مختلفة للتأثير في الآخرين وتحقيق أهدافه، وقد تتضمن المبالغة، أو الكذب، أو استغلال نقاط الضعف، أو تقديم صورة مغايرة لحقيقته.
4
– السطحية الانفعالية
قد تبدو مشاعر الفرد سطحية أو محدودة العمق، وقد يستخدم تعبيرات عاطفية مناسبة اجتماعيًا دون أن تتوافق بالضرورة مع تجربة وجدانية عميقة.
– 5 الجاذبية الاجتماعية الظاهرية
قد يمتلك بعض الأفراد قدرة عالية على تقديم أنفسهم بطريقة جذابة أو واثقة، مما يجعل اكتشاف بعض السمات غير السوية أمرًا صعبًا في المراحل الأولى من العلاقة.
– 6 عدم المسؤولية
قد تظهر لدى بعض الحالات صعوبات في الالتزام بالمسؤوليات الشخصية أو المهنية، أو عدم الوفاء بالوعود والالتزامات بصورة متكررة.

توجد علاقة مهمة بين مفهوم السيكوباثية وبعض اضطرابات الشخصية، وبخاصة اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع. إلا أن العلاقة بينهما ليست علاقة تطابق.
فالاضطراب المعادي للمجتمع، وفق التصنيفات التشخيصية الحديثة، يرتبط بنمط مستمر من تجاهل حقوق الآخرين والقواعد الاجتماعية، مع مظاهر مثل الخداع والاندفاع وعدم المسؤولية.
أما السيكوباثية فتتضمن بعدًا أكبر يتعلق بالسمات الشخصية والانفعالية، مثل نقص التعاطف، والبرود الانفعالي، والتلاعب، والسطحية.
إن بعض الأشخاص الذين تنطبق عليهم معايير اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع قد تظهر لديهم سمات سيكوباثية، ولكن ليس كل شخص لديه اضطراب معادٍ للمجتمع بالضرورة سيكوباثيًا. العوامل المرتبطة بنشوء السيكوباثية واضطرابات الشخصية لا يمكن تفسير اضطرابات الشخصية أو السيكوباثية بسبب واحد فالظواهر النفسية المعقدة تنتج غالبًا عن تفاعل عدة عوامل.
– 1 العوامل البيولوجية :تشير الدراسات النفسية والعصبية إلى وجود ارتباطات بين بعض السمات الشخصية والعمليات المتعلقة بالانفعال واتخاذ القرار ومعالجة المكافأة والخوف. إلا أن وجود اختلافات بيولوجية لا يعني أن الفرد محكوم مسبقًا بسلوك معين.
– 2 العوامل الوراثية :تلعب الوراثة دورًا في بعض أبعاد الشخصية والمزاج والاستعدادات السلوكية إلا أن التأثير الوراثي لا يعمل بمعزل عن البيئة.
– 3 الخبرات المبكرة:تُعد الطفولة مرحلة مهمة في بناء التنظيم الانفعالي والتعاطف والثقة والعلاقات الاجتماعية. وقد تؤثر الخبرات السلبية المستمرة، مثل الإهمال أو سوء المعاملة أو غياب الرعاية المستقرة في النمو النفسي.
ومع ذلك، ينبغي عدم افتراض أن كل شخص تعرض لخبرات صعبة سيطور اضطرابًا في الشخصية لأن الاستجابات الفردية تختلف بصورة كبيرة.
– 4 البيئة الأسرية:تلعب الأسرة دورًا أساسيًا في تعلم القواعد الاجتماعية والقدرة على تنظيم الانفعالات وفهم مشاعر الآخرين كما يمكن أن تؤثر أنماط التربية المتناقضة أو العنيفة أو المهملة في النمو النفسي وإن كانت هذه العوامل لا تمثل أسبابحتمية.
5
– العوامل الاجتماعية والثقافية: يتأثر السلوك الإنساني بالقيم والمعايير الاجتماعية والثقافية لذلك يجب تقييم أي سلوك في سياقه الثقافي وعدم تفسير الاختلاف الثقافي على أنه اضطراب نفسي.
من أهم القضايا الإنسانية المرتبطة بالسيكوباثية ضرورة عدم اختزال الإنسان في تشخيص أو مجموعة من السمات. فالشخص الذي يعاني من اضطراب في الشخصية يبقى إنسانًا له تاريخ وتجارب واحتياجات وظروف اجتماعية ولذلك فإن التعامل المهني معه يجب أن يقوم على الاحترام وعدم الإهانة وعدم استخدام التشخيص كوسيلة للوصم.
أن فهم السيكوباثية من منظور إنساني يساعد على الابتعاد عن فكرة أن الفرد شرير بطبيعته فالتفسير النفسي يحاول فهم كيفية تشكل الأنماط النفسية والسلوكية والعوامل التي تؤثر فيها دون تحويل ذلك إلى تبرير للسلوك المؤذي.
وفي الوقت نفسه، فإن المنظور الإنساني لا يعني تجاهل مسؤولية الفرد عن أفعاله أو تجاهل حقوق الأشخاص الذين قد يتعرضون للأذى. وإنما يقوم على تحقيق التوازن بين حماية المجتمع واحترام الإنسان وتقديم التدخل المناسب.


السايكوباثية والعلاقات الإنسانية السوية تقوم عادة على مجموعة من المبادئ، مثل الثقة والاحترام والتبادل والقدرة على الاعتذار وتحمل المسؤولية.
وقد تمثل هذه الجوانب تحديات في بعض أنماط اضطرابات الشخصية خصوصًا عندما تكون سمات مثل التلاعب والخداع وانخفاض التعاطف شديدة ومستمرة.
ومن الناحية النفسية فإن العلاقة مع شخص لديه سمات شخصية صعبة قد تكون مرهقة للطرف الآخر، ولذلك فإن التوعية النفسية ووضع الحدود الصحية وطلب المساعدة المتخصصة عند الحاجة تمثل جوانب مهمة من الوقاية.

تُعد السيكوباثية واضطرابات الشخصية من الموضوعات المعقدة في علم النفس لأنها تقع عند تقاطع مجموعة من العوامل النفسية والبيولوجية والاجتماعية والثقافية ولا يمكن فهمها من خلال صفة واحدة أو سلوك منفرد، كما لا يصح اختزال الإنسان في تشخيص أو وصم اجتماعي.
وتظهر أهمية السيكوباثية بصورة خاصة في دراسة التعاطف والندم والعلاقات الإنسانية والتلاعب والمسؤولية والسلوك الاجتماعي، بينما تمثل اضطرابات الشخصية إطارًا أوسع لفهم الأنماط المستمرة وغير المرنة التي تؤثر في حياة الفرد وعلاقاته ومن الناحية الإنسانية ينبغي أن يقوم التعامل مع هذه الاضطرابات على التوازن بين احترام كرامة الفرد وحماية الآخرين من الأذى كما ينبغي التمييز بين تفسير السلوك وتبريره وبين التشخيص العلمي والانطباع الشخصي.
ويظل دور علم النفس مهمًا في تطوير وسائل أكثر دقة للتقييم والتدخل، وفي مساعدة الأفراد والأسر والمجتمع على فهم الاضطرابات النفسية بعيدًا عن الخرافة والوصمة والأحكام المسبقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock