
السيسي في الهند.. عندما تتحول «بريكس» من قمة سياسية إلى فرصة اقتصادية لمصر
بقلم د سلوى زكى
ليست كل الزيارات الرئاسية تُقاس بعدد الصور واللقاءات التي تُلتقط فيها، فبعض الزيارات تكون بمثابة إعادة تموضع للدولة على خريطة العالم.
وهكذا يمكن قراءة زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى نيودلهي للمشاركة في القمة الثامنة عشرة لتجمع «بريكس»، التي تستضيفها الهند يومي 12 و13 سبتمبر 2026. وقد أكدت الرئاسة المصرية أن الرئيس سيشارك في أعمال القمة ويلقي كلمة مصر في الجلسة المغلقة لقادة بريكس.
لكن السؤال الأهم ليس: ماذا سيقول السيسي في القمة؟
بل:
ماذا يمكن أن تعود به مصر من نيودلهي؟
وهنا تبدأ القصة الحقيقية.
بريكس ليست مجرد مجموعة دول.. إنها سوق جديدة للعالم
تضم بريكس في شكلها الحالي 11 دولة، بينها مصر والهند والصين وروسيا والبرازيل وجنوب أفريقيا والسعودية والإمارات وإيران وإندونيسيا وإثيوبيا، وأصبح التكتل يمثل وزناً ضخماً في السكان والاقتصاد والتجارة العالمية.
وهذا يعني أن وجود مصر داخل بريكس لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مكسباً دبلوماسياً فقط.
بل يمكن أن يكون مدخلاً إلى:
أسواق + استثمارات + تكنولوجيا + تمويل + صناعة + سلاسل إمداد.
وهنا تحديداً يجب أن تنتقل مصر من عقلية:
«كيف نزيد الصادرات؟»
إلى عقلية أكثر جرأة:
«كيف نجعل المستثمر الهندي أو الصيني أو البرازيلي ينتج في مصر ثم يصدر من مصر إلى العالم؟»
وهذه هي الفكرة التي يمكن أن تصنع الفرق.
الهند ومصر.. من التبادل التجاري إلى «الإنتاج المشترك»
الهند ليست فقط دولة ضخمة سكانياً واقتصادياً، وإنما تمتلك خبرات متقدمة في التكنولوجيا والبرمجيات والصناعات الدوائية والسيارات والطاقة والخدمات الرقمية ومصر لديها في المقابل موقع جغرافي استثنائي، وقناة السويس، والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وقاعدة صناعية وسوق كبيرة، ونفاذ إلى أسواق عربية وأفريقية وأوروبية.
إذن لماذا لا تكون المعادلة:
تكنولوجيا هندية + تصنيع مصري + تمويل واستثمار + قناة السويس + الأسواق الأفريقية = منتج مصري عالمي؟هذه ليست فكرة نظرية بالكامل؛ فالمباحثات المصرية الهندية خلال 2026 تناولت بالفعل فرص التكامل الصناعي في قطاعات مثل السيارات والأدوية والطاقة المتجددة والأسمدة والتكنولوجيا المالية، إلى جانب المدفوعات الرقمية والعملات المحلية.
لماذا لا تطلق مصر مبادرة اقتصادية جديدة داخل بريكس يمكن تسميتها:
BRICS Made in Egypt
أي إنشاء مناطق إنتاج مشتركة داخل مصر، تستضيف شركات من دول بريكس، على أن تكون مهمتها ليست خدمة السوق المصرية فقط، وإنما التصدير إلى أفريقيا والعالم العربي وأوروبا.
تخيل مثلاً:
شركة هندية تصنع الأدوية في مصر.
شركة صينية تصنع مكونات السيارات
شركة برازيلية تستثمر في الصناعات الزراعية والغذائية.
شركة روسية تعمل في الحبوب والخدمات اللوجستية.
شركة إماراتية تمول وتشارك في الخدمات الرقمية واللوجستية.
والمنتج النهائي صُنع في مصر.. بتكنولوجيا واستثمارات من دول بريكس.. ومُوجَّه إلى أسواق العالم هنا تصبح مصر ليست مجرد عضو في بريكس بل منصة بريكس الصناعية في أفريقيا وقناة السويس يمكن أن تصبح «العصب اللوجستي لبريكس»
وهذه واحدة من أكبر الأوراق التي تمتلكها مصر.
العالم اليوم لا يبحث فقط عن المصنع، وإنما عن المصنع + النقل + التخزين + التمويل + التأمين + البيانات.
ومع اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، أصبح الموقع الجغرافي وسرعة النقل جزءاً من الأمن الاقتصادي للدول. وتبحث بريكس بالفعل في 2026 إطاراً للتعاون في سلاسل الإمداد واللوجستيات ومن هنا تستطيع مصر أن تطرح فكرة:
BRICS Logistics Hub – Egypt
مركز لوجستي ضخم في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، يخدم تجارة دول بريكس في أفريقيا والشرق الأوسط.
ولماذا لا يتحول مستقبلاً إلى مركز لإعادة التصدير والتخزين والتجميع والصيانة وتموين السفن؟
أي أن السفينة التي تمر بقناة السويس لا تكون مجرد سفينة تعبر مصر..
بل سفينة تتعامل اقتصادياً مع مصر.
من الدولار إلى «سلة التسويات»
ومن أخطر الملفات الاقتصادية التي تكتسب أهمية داخل بريكس ملف المدفوعات فالهند تدفع باتجاه ربط العملات الرقمية للبنوك المركزية بين دول بريكس لتسهيل المدفوعات عبر الحدود، مع وجود تحديات سياسية وتقنية ما زالت قائمة وهنا تستطيع مصر أن تكون جزءاً من تجربة جديدةمنصة مدفوعات رقمية لدول بريكس تسمح بتسوية جزء من التجارة بالعملات المحلية أو عبر أنظمة دفع رقمية مترابطة، بدلاً من المرور دائماً عبر عملة وسيطةوالهدف ليس إعلان «حرب على الدولار»بل ببساطة تقليل تكلفة التجارة، تقليل مخاطر التحويل، وتسهيل حركة السلع والاستمارات وهذا هو التفكير الاقتصادي الواقعي.
والذهب الحقيقي في بريكس ليس النفط.. بل التكنولوجيا فالعالم يدخل مرحلة جديدة:
الذكاء الاصطناعي، الروبوتات، السيارات الكهربائية.
أشباه الموصلات،الأمن السيبراني، التكنولوجيا المالية.
الطاقة النظيفة.
ومن هنا تستطيع مصر أن تطلب إنشاء:
BRICS Innovation Corridor – Egypt
ممر للابتكار يجمع الجامعات المصرية والشركات الناشئة والمستثمرين من الهند والصين وروسيا والبرازيل وبقية أعضاء بريكس.والهدف ليس أن تستورد مصر التكنولوجيا فقط.بل أن تقول:
تعالوا نطوّر التكنولوجيا معاًوهذا فرق ضخم بين دولة تشتري التكنولوجيا ودولة تشارك في إنتاجها.
السياسة هنا تخدم الاقتصاد وهنا تأتي أهمية زيارة السيسي سياسياً فمصر تتحرك في عالم شديد التعقيد، تتقاطع فيه ملفات الأمن والطاقة
والغذاء والممرات البحريةمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، يخدم تجارة دول بريكس في أفريقيا والشرق الأوسط.
ولماذا لا يتحول مستقبلاً إلى مركز لإعادة التصدير والتخزين والتجميع والصيانة وتموين السفن؟
أي أن السفينة التي تمر بقناة السويس لا تكون مجرد سفينة تعبر مصر..
بل سفينة تتعامل اقتصادياً مع مصر.
من الدولار إلى «سلة التسويات»
ومن أخطر الملفات الاقتصادية التي تكتسب أهمية داخل بريكس ملف المدفوعات فالهند تدفع باتجاه ربط العملات الرقمية للبنوك المركزية بين دول بريكس لتسهيل المدفوعات عبر الحدود، مع وجود تحديات سياسية وتقنية ما زالت قائمة وهنا تستطيع مصر أن تكون جزءاً من تجربة جديدةمنصة مدفوعات رقمية لدول بريكس تسمح بتسوية جزء من التجارة بالعملات المحلية أو عبر أنظمة دفع رقمية مترابطة، بدلاً من المرور دائماً عبر عملة وسيطةوالهدف ليس إعلان «حرب على الدولار»بل ببساطة تقليل تكلفة التجارة، تقليل مخاطر التحويل، وتسهيل حركة السلع والاستمارات وهذا هو التفكير الاقتصادي الواقعي.
والذهب الحقيقي في بريكس ليس النفط.. بل التكنولوجيا فالعالم يدخل مرحلة جديدة:
الذكاء الاصطناعي، الروبوتات، السيارات الكهربائية.
أشباه الموصلات،الأمن السيبراني، التكنولوجيا المالية.
الطاقة النظيفة.
ومن هنا تستطيع مصر أن تطلب إنشاء:
BRICS Innovation Corridor – Egypt
ممر للابتكار يجمع الجامعات المصرية والشركات الناشئة والمستثمرين من الهند والصين وروسيا والبرازيل وبقية أعضاء بريكس.والهدف؟ليس أن تستورد مصر التكنولوجيا فقط.بل أن تقول:
تعالوا نطوّر التكنولوجيا معاًوهذا فرق ضخم بين دولة تشتري التكنولوجيا ودولة تشارك في إنتاجها.
السياسة هنا تخدم الاقتصاد وهنا تأتي أهمية زيارة السيسي سياسياً فمصر تتحرك في عالم شديد التعقيد، تتقاطع فيه ملفات الأمن والطاقة والحروب والتجارة.وقمة بريكس نفسها تأتي في ظل توترات دولية وحروب واضطرابات في طرق التجارة والطاقة، وهو ما يجعل الحوار بين القوى الكبرى والاقتصادات الصاعدة أكثر أهميةومصر لديها ميزة سياسية مهمة أنها لا تحتاج إلى اختيار معسكر واحد حتى تحافظ على مصالحهايمكنها أن تتعاون مع الهند والصين وروسيا والبرازيل، وفي الوقت نفسه تحافظ على علاقاتها مع أوروبا والولايات المتحدة والدول العربية والأفريقيةهذه ليست سياسة «الوقوف في المنتصف»بل يمكن أن تكون سياسة تنويع الشركاء وتعظيم المصلحة المصرية.
والأهم: ماذا تريد مصر من بريكس؟
ربما آن الأوان لأن تنتقل مصر من قائمة المطالب التقليدية:
«زيادة التجارة».
«زيادة الاستثمارات».
«تمويل المشروعات».
إلى قائمة أكثر طموحاً:
نريد أن نصنع معكم.
نريد أن نصدر معكم.
نريد أن نطور التكنولوجيا معكم.
نريد أن نربط موانئنا بسلاسل إمدادكم.
نريد أن تكون مصر بوابتكم إلى أفريقيا.
وهنا تتحول العضوية من ميزة سياسية إلى آلة اقتصادية.
مصر والهند.. ربما تكون البداية من نيودلهي
الهند تحديداً يمكن أن تكون شريكاً مهماً في هذا التحول.
فقد شهدت الفترة السابقة تحركات مصرية هندية لزيادة التجارة والاستثمار، كما جرى بحث إنشاء غرفة تجارة مشتركة وتعزيز الاستثمارات الهندية في مصر.
المعلومات الحكومية
والفكرة الأذكى الآن هي ألا تتوقف العلاقة عند:
القاهرة ↔️ نيودلهي
بل تتحول إلى:
الهند → مصر → أفريقيا
وهنا يصبح الموقع المصري منتجاً للقيمة، وليس مجرد موقع جغرافي على الخريطة.
الخلاصة: السيسي لا يذهب إلى بريكس للحصول على مقعد.. مصر لديها المقعد بالفعل
المعركة الحقيقية الآن هي:
ماذا سنفعل بهذا المقعد؟
إذا نجحت مصر في تحويل عضويتها في بريكس إلى مصانع مشتركة، ومراكز لوجستية، ومنصات دفع رقمية، وشراكات تكنولوجية، وتمويل أخضر، ومراكز ابتكار، وأسواق تصديرية؛ فإن القمة لن تكون مجرد حدث سياسي عابربل قد تكون محطة في إعادة بناء النموذج الاقتصادي المصري.
والفكرة الأهم التي يجب أن تخرج من نيودلهي هي:
مصر لا تريد أن تكون سوقاً لدول بريكس.. بل تريد أن تكون شريكاً في إنتاج ما تستهلكه دول بريكس وتصديره إلى العالم.
فإذا كانت قناة السويس هي الطريق الذي تعبر من خلاله السفن، فلماذا لا تصبح مصر أيضاً الطريق الذي تعبر من خلاله الاستثمارات والتكنولوجيا والصناعة من بريكس إلى أفريقيا؟
هنا يصبح موقع مصر الجغرافي ثروة اقتصادية.. وليس مجرد نقطة على الخريطة.
وإذا كانت زيارة الرئيس السيسي إلى الهند هي العنوان السياسي، فإن تحويل بريكس إلى مصانع وفرص عمل وصادرات وتكنولوجيا وتمويل لمصر هو العنوان الاقتصادي الحقيقي…



