
مدحت الحلفاوي يكتب: لما يفشلوا في مصر…. يبحثون عن بطولة خلف الشاشات
الغريب أن بعض الهاربين الذين لم يكن لهم في مصر حضور حقيقي ولا تأثير يذكر. لا في الفن ولا في الإعلام ولا في الشارع. يجدون فجأة بعد خروجهم من البلد من يمنحهم كاميرا ومساحة مفتوحة وميكروفونا لا يغلق. فيتحول الشخص الذي لم يعرفه الناس إلا في أدوار هامشية أو ظهور عابر إلى نجم على شاشات لا تعرف من البطولة إلا الهجوم على مصر.
نفس الشخص الذي لم يستطع أن يصنع لنفسه قيمة حقيقية وهو وسط أهله وناسه. يصبح فجأة بطلا من أبطال المعارضة من خلف الشاشة. ونفس الإعلامي الذي لم يترك بصمة مهنية واضحة داخل مصر. يصبح محللا وخبيرا وصاحب رأي في كل شيء.
يا لها من بطولة غريبة. تفشل في بلدك ثم تبحث عن المجد في الخارج من خلال مهاجمة البلد التي صنعت لك اسما وأعطتك فرصة الظهور.
والحكاية ليست في أن شخصا اختلف مع الدولة أو انتقد سياسة أو اعترض على قرار. فهذا حق طبيعي ما دام في إطار المسؤولية والاحترام. لكن المصيبة تبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى كراهية للبلد. وعندما يصبح الجيش والشرطة هدفا دائما للهجوم. وعندما تتحول مؤسسات الدولة التي تحمي الناس وتصون أمنهم إلى مادة يومية للتشويه.
الجيش المصري ليس مجرد مؤسسة عسكرية في حياة المصريين. الجيش هو جزء أصيل من تاريخ هذا الوطن وذاكرته وكرامته. جيش وقف في وجه الأخطار ودافع عن الأرض وحمى الدولة. ومن حق المصري أن يختلف مع أي مسؤول أو ينتقد أي قرار. لكن أن يتحول جيش بلده إلى هدف دائم للشتائم والتشويه من أجل إرضاء جمهور الخارج. فهنا يسقط الكلام من خانة المعارضة إلى خانة أخرى لا تليق بمصري يعرف معنى الوطن.
والشرطة المصرية ليست مجرد زي رسمي يؤدي وظيفة. رجال الشرطة موجودون في الشوارع وبين الناس. يواجهون الجريمة ويحفظون الأمن ويحمون الأرواح والممتلكات. وقد يدفع بعضهم حياته ثمنا لهذه المهمة. فمن السهل جدا أن تجلس آمنا خلف شاشة في الخارج وتطلق النار بالكلمات. لكن الأصعب أن تقف في الشارع وتتحمل مسؤولية حماية الناس.
والأغرب أن بعض الهاربين عندما يجدون أنفسهم أمام كاميرات القنوات المعادية يبدأون في ارتداء شخصية جديدة. نبرة جديدة. عبارات جديدة. موضوعات متكررة. ونفس طريقة الهجوم. حتى تشعر أحيانا أن البعض لم يعد يتحدث بما يؤمن به. وإنما يؤدي دورا جديدا على شاشة جديدة.
في مصر لم يكن لهم كل هذا البريق الذي يتحدثون به الآن. لكنهم اكتشفوا أن هناك سوقا آخر للشهرة. سوقا لا يحتاج إلى موهبة كبيرة ولا إلى تاريخ مهني عظيم. يكفي أن تهاجم مصر باستمرار حتى تصبح نجما عند من ينتظرون منك الهجوم.
لكن هؤلاء نسوا شيئا مهما.
أن الشعب المصري الأصيل ليس شعبا ساذجا. الشعب الذي عاش الحروب والأزمات وانتصر على الإرهاب وعرف قيمة بلده وقت الشدة. يعرف جيدا الفرق بين صاحب الرأي وصاحب الدور. وبين من ينتقد لأنه يريد الإصلاح. ومن يهاجم لأنه وجد جمهورا يدفعه إلى الهجوم.
مصر أكبر من كل هؤلاء.
أكبر من ممثل فشل في صناعة مجد حقيقي فبحث عن بطولة خلف الكاميرا. وأكبر من إعلامي لم يجد لنفسه قيمة داخل بلده فقرر أن يصنعها من الخارج على حساب وطنه.
وجيش مصر أكبر من كل حملات التشويه. وشرطة مصر أكبر من كل الكلمات التي تطلق من غرف مكيفة بعيدا عن الشارع. وشعب مصر يعرف جيدا من وقف بجانبه عندما كانت الدولة تواجه الإرهاب والخطر. ومن كان وقتها مختبئا خلف الشاشات ينتظر لحظة سقوط الوطن حتى يبدأ التصفيق.
أما الذين اختاروا الهروب ثم اختاروا أن يجعلوا من مصر عدوا دائما في كلامهم. فنقول لهم بكل وضوح.
لن تصبحوا أبطالا لأنكم تهاجمون مصر. ولن تصبحوا أصحاب قيمة لأن قناة فتحت لكم ميكروفونا. ولن يصير الفشل نجاحا لمجرد أنكم غيرتم المكان ووجدتم من يصفق لكم.
الوطن لا يتحول إلى دور تمثيلي. ومصر ليست سكريبتا يكتبه أحد ثم يوزعه على مجموعة من الوجوه لتردده أمام الكاميرات.
والذين يريدون أن يعرفوا قيمة مصر فليسألوا شعبها الأصيل. وليسألوا جنديها الواقف على الحدود. وليسألوا رجل الشرطة الموجود في الشارع. وليسألوا كل أب وأم يريدان أن يعيش أبناؤهما في وطن آمن.
هؤلاء هم أصحاب الحكاية الحقيقية.
أما نجوم الشاشات الهاربون. فشهرتهم قد تصنعها الكاميرا. لكن قيمة الإنسان لا تصنعها الكاميرا أبدا.
اللهم احفظ مصر وجيشها وشرطتها وشعبها الأصيل. واحفظ أرضها من كل سوء ومن كل من أراد بها شرا.
مدحت الحلفاوي



