أقلام حره

اقتصاد الفقاعة: كيف تحولت أزمة الرهن العقاري إلى أزمة مالية عالمية؟

بقلم الباحث السيد فتوح

يمكن تتبع جذور الأزمة المالية العالمية إلى التحولات التي شهدها الاقتصاد الأمريكي منذ ثمانينيات القرن العشرين، حين اتسع الاعتماد على الائتمان وتطورت الأدوات المالية المرتبطة بسوق العقارات. وفي خلفية هذا التطور كان مفهوم «الحلم الأمريكي» حاضرًا بقوة؛ إذ ارتبط تحقيق الاستقرار والنجاح بالنسبة إلى قطاعات واسعة من المجتمع الأمريكي بامتلاك منزل خاص، باعتباره أحد أهم مظاهر الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

وكان امتلاك المسكن يمثل هدفًا يصعب على كثير من الأسر تحقيقه من خلال الادخار المباشر، خصوصًا مع ارتفاع أسعار العقارات. ومن هنا برز التمويل العقاري باعتباره وسيلة تسمح للفرد بشراء المنزل فورًا، على أن يسدد قيمته للبنك من خلال أقساط دورية تمتد لسنوات طويلة، بينما يحصل البنك في المقابل على عائد من الفوائد. وفي ظل ارتفاع أسعار العقارات واستقرار سوق الإسكان لفترات طويلة، اكتسب التمويل العقاري قدرًا أكبر من الأمان في نظر المؤسسات المالية؛ فتعثر المقترض لم يكن يعني بالضرورة خسارة القرض، إذ كان بإمكان البنك استرداد العقار وبيعه، في حين أن ارتفاع قيمته السوقية كان يوفر هامشًا من الحماية لمستحقاته.

غير أن هذه المعادلة بدأت تتغير مع توسع البنوك والمؤسسات المالية في توريق القروض العقارية. فبدلًا من الاحتفاظ بالقروض في ميزانياتها وانتظار سدادها، جرى تجميع عدد كبير من القروض العقارية وتحويل التدفقات النقدية الناتجة عنها إلى أوراق مالية تعرف باسم الأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري (MBS)، ثم بيعها لمستثمرين.

وكانت الفكرة في ظاهرها تقوم على توزيع المخاطر؛ إذ لم يعد المستثمر مرتبطًا بمقترض واحد، وإنما بحزمة تضم عددًا كبيرًا من القروض. لكن هذا النموذج خلق في الوقت نفسه حافزًا مختلفًا لدى بعض جهات الإقراض: إذا كان القرض يمكن بيعه وتوريقه بدلًا من الاحتفاظ به، فإن الحافز على التدقيق الصارم في قدرة المقترض على السداد قد يتراجع. وقد أشارت تحليلات الاحتياطي الفيدرالي بالفعل إلى تدهور معايير منح القروض، وازدياد الاعتماد على ارتفاع قيمة العقارات بدلًا من التقييم الدقيق لقدرة المقترض على السداد.

وهنا ظهر التوسع الكبير في قروض الرهن العقاري عالية المخاطر، وهي قروض مُنحت لمقترضين ذوي سجلات ائتمانية أضعف أو قدرة أقل على تحمل المخاطر مقارنة بالمقترضين ذوي الجدارة الائتمانية المرتفعة. وكان ارتفاع سعر الفائدة على هذه القروض يعكس ارتفاع مستوى المخاطر المرتبطة بها.

ومن بين المصطلحات التي ارتبطت بهذه المرحلة NINJA Loans، وهي تسمية غير رسمية تشير إلى القروض الممنوحة لمقترضين دون التحقق التقليدي الكافي من الدخل أو الوظيفة أو الأصول؛ أي No Income, No Job, No Assets.
ولم تكن هذه القروض وحدها سبب الأزمة، كما أن اختصار NINJA لا يمثل كل سوق الرهن العقاري عالي المخاطر، لكنه أصبح رمزًا للتدهور الذي أصاب معايير الإقراض خلال فترة ازدهار الائتمان العقاري.

1. من القروض العقارية إلى شبكة مالية معقدة

لم تتوقف العملية عند إصدار القروض وتوريقها في صورة MBS. فقد أصبحت بعض الأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري، بما فيها الأوراق المرتبطة بقروض عالية المخاطر، تدخل في هياكل مالية أكثر تعقيدًا مثل التزامات الدين المضمونة (CDOs). وبذلك أصبحت المخاطر المرتبطة بالمقترض العقاري تنتقل عبر عدة طبقات من النظام المالي، وصولًا إلى مستثمرين ومؤسسات مالية داخل الولايات المتحدة وخارجها.

وفي هذه المرحلة ظهرت أيضًا شركات الضمان والتأمين المالي كطرف إضافي في المنظومة. فقد قامت بعض المؤسسات بتوفير حماية ائتمانية ضد خسائر مرتبطة بالأوراق المالية، من خلال أدوات مثل مبادلات مخاطر الائتمان (CDS). وكان الهدف من هذه الأدوات التحوط من احتمال التعثر، إلا أن المشكلة ظهرت عندما أصبح حجم المخاطر المرتبطة بالرهن العقاري كبيرًا إلى درجة جعلت بعض الجهات التي قدمت هذا النوع من الحماية شديدة الارتباط بأداء سوق العقارات نفسه. وبالتالي، لم يعد التأمين أو التحوط منفصلًا عن الخطر الأصلي، بل أصبح جزءًا من شبكة المخاطر ذاتها.

وهكذا، لم تعد المشكلة مجرد قروض عقارية متعثرة، وإنما أصبحت شبكة من الالتزامات المالية المترابطة؛ فإذا ارتفعت حالات التعثر، تراجعت قيمة الأوراق المالية المرتبطة بهذه القروض، ثم انتقلت الخسائر إلى المؤسسات التي تحتفظ بها أو ضمنت مخاطرها.

2. اللحظة التي انقلبت فيها المعادلة
كان ارتفاع أسعار المنازل أحد أهم الافتراضات التي دعمت هذا النظام. فطالما استمرت الأسعار في الصعود، كان من الممكن إعادة تمويل بعض القروض أو بيع العقار بقيمة تساعد على تغطية الالتزام. لكن مع تباطؤ أسعار المنازل ثم انخفاضها، تغيرت المعادلة بالكامل.

أصبح عدد متزايد من المقترضين يمتلكون منازل تقل قيمتها السوقية عن قيمة القروض المستحقة عليها. ومع ارتفاع حالات التعثر وحبس الرهن، ازدادت العقارات المعروضة للبيع في وقت تراجع فيه الطلب، وهو ما مارس ضغطًا إضافيًا على الأسعار.

وهنا نشأت حلقة تغذية عكسية: انخفاض أسعار العقارات أدى إلى تراجع قيمة الضمانات، وتراجع قيمة الضمانات زاد من صعوبة إعادة التمويل، وهو ما ساهم في ارتفاع حالات التعثر، ثم أدى تزايد حالات التعثر وحبس الرهن إلى مزيد من الضغط على أسعار العقارات.

وقد وثّق الاحتياطي الفيدرالي أن ضعف أسعار المنازل كان عاملًا رئيسيًا في تدهور أداء قروض الرهن العقاري عالية المخاطر، وأن ارتفاع نسبة القروض إلى قيمة العقارات جعل المقترضين أكثر تعرضًا للخسائر عند انخفاض الأسعار.

-3. عندما انتقلت الأزمة من العقار إلى الاقتصاد
مع تزايد حالات التعثر، بدأت قيمة الأوراق المالية المرتبطة بالرهن العقاري في الانخفاض، وتراجعت ثقة المستثمرين في قدرتهم على تقييم المخاطر الحقيقية لهذه المنتجات. ولم تعد المشكلة محصورة في القروض العقارية عالية المخاطر؛ إذ امتد عدم اليقين إلى منتجات مالية أخرى، وتعرضت أسواق التمويل والسيولة لضغوط متزايدة.

وبذلك تحولت أزمة سوق الإسكان إلى أزمة ثقة وائتمان وسيولة، ثم إلى أزمة اقتصادية واسعة.

وكانت التكلفة الاجتماعية كبيرة. فقد انخفض عدد الوظائف في الولايات المتحدة بنحو 8.8 مليون وظيفة بين ذروة التوظيف قبل الركود وأدنى مستوى في فبراير 2010، بينما بلغ معدل البطالة 10% في أكتوبر 2009.

4. هل كان المقترض المتعثر هو المسؤول عن الأزمة؟
وهنا تظهر إحدى أهم القضايا التحليلية في الأزمة: هل كان المقترض المتعثر هو المسؤول الرئيسي عن الأزمة؟

من السهل النظر إلى المقترض الذي توقف عن سداد القرض باعتباره نقطة البداية والنهاية للمشكلة، لكن هذا التفسير يتجاهل البنية المالية التي سبقت التعثر. فالمخاطر لم تنشأ فقط من عدم قدرة بعض الأفراد على السداد، وإنما من منظومة كاملة شملت التوسع في الإقراض، وتراجع معايير الاكتتاب، وتوريق القروض، وتعقيد المنتجات المالية، والاعتماد المفرط على ارتفاع أسعار العقارات، وسوء تقدير المخاطر.

ومن ثم، فإن أزمة 2008 لم تكن ببساطة أزمة أشخاص اقترضوا أكثر مما يستطيعون سداده، بل كانت أزمة منظومة مالية كاملة تضخمت فيها المخاطر قبل أن تظهر حقيقتها عندما توقف ارتفاع أسعار العقارات عن دعم النموذج بأكمله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock