
“وجيه نزيه” يكتب : اعيدوا القداسة للمُعلم .. رُسل الحكمة و شرفاء الأيادي أصحاب طهارة الضمير .
من المفترض يحتل المُعلم المرتبة الأولى في قمة هرم الدولة و مهنته بكل شرف تجلس على عرش الإنسانية و زخم الحضارة و بناء الأمم .. فهو الصانع الحقيقي لمصائر كافة الرُتب و المناصب و المهن و الأعمال و الحرف و الصناعات منذ أن خطت أقدام الأجيال طفولتها الأولى على عتبات التعليم علي يداه .
غير أن هناك ثغرة حالياً تستوجب مناقشتها بإعتبارها غاية الأهمية في الغرف السياسية المغلقة .. فعند تعيين القيادات التنفيذية كمحافظين لا ينبغي إستقطابهم من خلال كفاءات عمداء الكليات أو رؤساء الجامعات و حتى الدكاترة المُحاضرين للمواد لأنهم غالباً غير مُدركين لتفاهمات سيكولوجية أوضاع العاملين في تلك الحياة العملية سواء في أوساط الحضر أو مدن الريف فهم أكفاء فقط في وضعهم الأكاديمي و البحثي أصحاب النظريات و رؤى الأفكار بوضع خطط مناهج التنمية و إقرار القرارات ليس إلا .. فأما إذا كانت الحكومة عازمة على تعيينهم كسلطات تنفيذية فينبغي أن يندرجوا تحت تدريبات مُكثفة ككوادر مثل المدرسين و مبادرات الدولة المعهودة مثل كادر تأهيل الشباب للقيادة بعد تخرجهم حتى يتثنى للمحافظين إمتلاك خط فاصل بين علمهم الرئيسي بأسس النظريات و بين مهارات التواصل على أرض الواقع .. و إذ بكل مرة تطل علينا أحداث دورية متتالية مُصاحبة لمشاكل عدم إتقان فن التواصل الجماهيري و التخبط في المعاملات اللائقة من قبل هؤلاء المحافظين تجاه كل مُعلم أو طبيب أو مسئول بأفرع إختصاصات المحليات و غيرهم إلا و تكون مشكلة مُختلقة بعفوية ،و لكن تداعياتها خطيرة على الرأي الجماهيري إذ تتيح الفرص لكل دخيل أو منبر مُغرض للتحريض بغرض بث عدم الثقة بين السلطة و ما تحتها لينفخوا في الهشيم ناراً لا تنطفئ في ذكراها .
و على هذا النهج نسترجع معاً ذكريات فن التواصل و جبر الخاطر من خلال نموذج لمحافظ من ضمن محافظين الدولة المصرية الأكفاء و المُخلصين .. حيث كُتبت إنجازات تعاملاته بماء الذهب و حُفرت بصماته في قلوب من حضرها أو قرأ أو تناقل خبر أحداثها ،و هذا بمناسبة مدير المدرسة الذي يرتدي جلباباً مصرياً أصيلاً لنتذكر سوياً موقفاً لمعالي الوزير الإنسان البار هو ( اللواء/ أحمد زكي عابدين ) ابن المزارعين بمحافظة بني سويف و الذي تقلد منصب حقيبة وزارة التنمية المحلية آنذاك .. فعندما كان مُحافظاً لكفر الشيخ و خلال إحدى زياراته لمدارس المحافظة لاحظ أن مظهر مدراء بضعة مدارس لا يرتدون ملابس تليق بمكانتهم و قدوتهم أمام الطلاب حين إستقباله .. فلم يوبخهم أمام أحد و لم يحوله إلى مادة للسخرية ،و لكن عاد إلى مكتبه و فكر في تدبر حكيم لا في عقاب مرير .. فقرر صرف بدلة أنيقة لكل مدير ثم جمعهم وأخبرهم أنها هدية من صندوق خدمات المحافظة تقديراً لجهودهم جراء جزاء تعليم النشء و الأبناء ،و هكذا تكون القيادة الحقيقية .. كما أن إستدعاء نموذج إداري راقٍ و واعٍ مثل السيد اللواء أحمد زكي يجسد بوضوح كيف يمكن معالجة الأخطاء بالإحتواء و الحكمة بدلاً من الإحراج و العقاب .. فإن مدير المدرسة ليس مجرد موظف ،و لكنه أول شخص يقف أمام الطلاب صباحاً بواجهته كقدوة و مسئول حازم عن صرح تربوي ليس بهين ،و لكنه أحياناً يعمل في ظروف قاسية و بإمكانات محدودة ،و من هنا نفتقر كثيراً اليوم لمثل هذا النموذج في الإدارة كمثل هذا اللواء و تجربتة التي تركت أثراً طيباً في نفوس المواطنين و علي رأسهم المُعلمين و المُعلمات .. فحاجتنا اليوم ماسة لمسئولين يصنعون الحلول أكثر مما يصنعون المشاهد و يعالجون الأخطاء أكثر مما يعاقبون أصحابها و يحافظون على هيبة الدولة دون إهدار لكرامة الإنسان .. فهيبة الدولة لا تُبنى بالإهانة و إنما تُبنى بالعدل و الإنصاف و الحكمة و الحنكة في التعاملات و حسن الإدارة كما ذكرت .
فلا نعلم إن كانت زيارة السيد المحافظ مفاجئة ،و قد ارتدي السيد مدير المدرسة جلبابه في سرعة التأهل للإستقبال لما من الممكن أن يكون قد ساعد بضعة من العمال الماهرين في صيانة تلك المدرسة .. تماماً كما ابتدت القصة قديماً حين بادر مدرس بحمل مَكنسة مُستخدمها ليقوم بنفسه بتنظيف مدرسته و آخر كان يعمل بنفسه في أعمال صرف بالوعات المياه !!! فهذا لا يليق بتاتاً لكرامتهم ولا إنتقاصاً من شتي المهن و العاملين عليها ،و لكن سيبقي المُعلم في عيوننا كبير القيمة و القامة يوماً بعد يوم .. فلنستذكر معاً منذ مراحل تعليمنا الأولي كنا نتباهى و نعتز بمجرد أن يخبرنا المُعلم بإختيارنا كرواد للفصل نقوم بمُساندته في إحضار الدروس أو جمع الكراسات أو نحمل دفتره أو شنطته أو حتى نقوم بتنظيف السبورة و ما عليها من دروس سابقة لإستحضار مجيء شرحه و نحن في إستقبال مهيب له خشية غضبه .. فهذا الوضع الراهن المُهين تقلبت فيه الموازين لصور تلك الأحداث .
و علي مُجمل هذا كلهُ حيث تَكمن الخطورة التي قمت بسردها فإن اعتادت العين عليه رؤية ما لا يصح .. فجموع التلاميذ و أولياء أمورهم اليوم سيتجرأوا على المُعلم بصور بخيسة مُعتادة في الأذهان لا تليق بقداسته .
و أما عن السيدة المُعلمة الفاضلة و الصالحة و التي اتخذت من اسمها صفة للخدمة السامية فإنها من المؤمنات برسالة التعليم رغم تدني رواتبهم .. حيث أقبلت المُعلمة على دفع مصروفات صيانة مدرستها بنفسها دون قبول تبرعات أولياء الأمور ،و رغم وجود عدة مدارس تجبر على التبرعات و كأن العملية التعليمية أُبقيت على نظام جمعيات خيرية و تكافل تعاوني .. فلا يجوز علي هذا الصدد ان تبقي المنظومة التعليمية عليه طوال سنوات لإرجاء العوز و الإحتياج علي كاهل أولياء الأمور طوال الوقت .
و أما في الختام أدركوا أن منظومة التعليم أبقى و أغلى و أرقى من ذلك الوضع .. فأعيدوا المُخصصات المالية الكافية دون تقليص من ميزانياتها إلي كافة مدراء المديريات التعليمية للتصرف المالي في إنفاق مصاريف صيانات مدارسهم و جلب جميع إحتياجاتهم من مُستلزمات دهان الحوائط و صيانة الكهرباء و ترميم المقاعد الخشبية و إلخ و حتى الأوراق المُستخدمة بالمراسلات و المكاتيب التي تُرهق المؤسسات بالموافقات و في ظل البيروقراطيات الروتينية .. فضلاً عن أن هناك أراضٍ لم تُستغل في بناء و إنشاء مدارس جديدة لمواجهة الكثافة الطلابية المُقيدة التي تثقل كاهل ميزانية التعليم الضئيلة من قبل الوزارة .. فتدبروا البيان و تداركوا المسئولية فهي ليست مُقتصرة على شأن بعينها و إنما ينبغي تكاتف جميع الوزارات لتخدم هذه المنظومة التربوية و التعليمية لأنها الأبقى و الأولى بالرعاية و العاملين عليها بأفرادها يستحقون غايات التقدير بالشكر و التبجيل لأجل العرفان بالجميل .



