
مصر والسعودية.. حين يصبح الأمن القومي واحدا: مواجهة التصعيد الحوثي واختبار التحالف الاستراتيجي
كتبت: الدكتورة مايسة خليل حسن
الأكاديمية المتخصصة في العلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية
يشكل التصعيد الحوثي الأخير ضد السعودية، في أكتوبر 2026، لحظة فارقة جديدة تضاف إلى التغيرات المتسارعة في بنية الأمن الإقليمي، لا مجرد جولة جديدة من الصراع اليمني الممتد منذ سنوات. فقد انتقلت الجماعة الحوثية من استهداف المنشآت النفطية في العمق السعودي إلى استهداف مطار الرياض الدولي نفسه، وأسفرت إحدى هذه الهجمات عن مقتل ثلاثة عشر شخصا وإصابة أكثر من ثلاث مئة آخرين، في أعنف هجوم على الأراضي السعودية منذ أكثر من عقد. ولم يعد الأمر يتعلق بجولة تصعيد عابرة يمكن احتواؤها بالوسائل التقليدية، بل بات يشكل اختبارا حقيقيا لبنية الأمن الإقليمي بأكملها، وقدرتها على حماية الدول والممرات والاقتصادات من تهديدات غير تقليدية تتجاوز حدود المواجهات العسكرية التقليدية.
ويجد هذا التصعيد مبرره الموضوعي في التحول الذي شهده الحوثيون من جماعة محلية تقاتل في جبال اليمن إلى فاعل إقليمي قادر على تهديد العمق السعودي، وتعطيل الملاحة الجوية، والتأثير في أسواق الطاقة العالمية. فقد انتقلت الجماعة من استراتيجية استنزاف المنشآت النفطية إلى استراتيجية تهديد الأمن الحضري، وهي استراتيجية أخطر لأنها تمس حياة المواطنين مباشرة، وتخلق حالة من الذعر الجماعي، وتضعف ثقة الجمهور في قدرة الدولة على حمايته. وقد أعلن المتحدث العسكري للحوثيين العميد يحيى سريع أن الجماعة استهدفت شركة أرامكو في الظهران ومطار الملك خالد الدولي ومصفاة أرامكو في الرياض بعدد كبير من الصواريخ الباليستية والمجنحة والطائرات المسيرة، وأن الإصابة كانت دقيقة وتسببت بدمار وبنشوب حرائق في المواقع المستهدفة. وكشفت التحقيقات الأولية أن الحوثيين استخدموا أسرابا من الطائرات المسيرة لتعطيل الرادارات السعودية، ثم أطلقوا صواريخ كروز وباليستية متطورة قادرة على المناورة في الجو، مما شكل تحديا لأنظمة باتريوت الدفاعية. وهذا يعني أن السعودية بحاجة إلى إعادة تقييم استراتيجيتها الدفاعية، ليس فقط بشراء المزيد من الأنظمة، بل ببناء منظومة متكاملة تشمل الاستخبارات والإنذار المبكر والردع.
ويضاعف من خطورة هذا التصعيد أن استهداف المنشآت النفطية السعودية وميناء الملك خالد ومطار الرياض لا يهدد السعودية وحدها، بل يهدد الاقتصاد العالمي بأكمله. فقد حذرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا من أن هذه الهجمات قد تؤثر على الجميع في كل مكان، في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة عالميا، وقالت إن الاقتصاد السعودي مهم للمنطقة وللعالم، ومن هذا المنطلق، فإن لهذه التطورات تبعات سلبية محتملة تطال الجميع. وهذا يعني أن أمن السعودية ليس شأنا سعوديا فحسب، بل هو شأن دولي، وأن أي تراجع في القدرة السعودية على حماية منشآتها النفطية سينعكس على أسواق الطاقة العالمية، وعلى اقتصادات الدول المستوردة للنفط، ومن بينها مصر التي تستورد أكثر من ثلاثة عشر مليون طن من القمح سنويا، وأي اضطراب في الملاحة في البحر الأحمر أو مضيق هرمز ينعكس مباشرة على أسعار الغذاء فيها.
وإذا كان هذا هو الأثر الاقتصادي، فإن الأثر الاستراتيجي لا يقل خطورة. فالهجمات الحوثية لم تعد مجرد رد فعل على الحملة السعودية في اليمن، بل أصبحت جزءا من استراتيجية إيرانية أوسع لاستنزاف السعودية، ورفع أسعار النفط، والتأثير في الانتخابات الأمريكية. وقد اتهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحوثيين باستهداف السعودية في محاولة لرفع أسعار النفط قبل انتخابات التجديد النصفي، مرجحا أن تكون هجماتهم قد جاءت بطلب من إيران. وقال مسؤولان إيرانيان لرويترز إن إيران تستخدم أساليب جديدة لاستهداف السفن المارة عبر مضيق هرمز، في مسعى للإبقاء على أسعار النفط مرتفعة. وهذا يعني أن ما يجري ليس مجرد صراع إقليمي، بل هو جزء من مواجهة أمريكية إيرانية أوسع، والسعودية هي ساحة هذه المواجهة.
وهنا يتعين التوقف عند بنية هذه الشبكة الإيرانية، التي لم تعد مجرد محور تقليدي، بل أصبحت منظومة عابرة للحدود. والمقصود بالمنظومة العابرة للحدود أنها لم تعد مجرد جماعات تابعة تتحرك بأوامر مباشرة من طهران، بل أصبحت كيانات تمتلك قدرات مستقلة، وخطوط إمداد خاصة، واتصالات متبادلة، وتتبادل المعرفة عبر الحدود، وتصنع أسلحتها محليا. فإيران لم تعد تكتفي بإرسال الأسلحة وتحديد الأهداف، بل بنت منهجا تعليميا كاملا يبدأ من التدريب العسكري الأساسي وينتهي بتدريب متقدم على استخدام الطائرات المسيرة والصواريخ المتقدمة، بل وتصنيعها. واللافت أن هذه المنظومة أصبحت أكثر خطورة بسبب تحول في نقاط الخنق التكنولوجية، وهي النقاط التي يمكن من خلالها قطع إمدادات المكونات الحيوية. فقبل خمسة عشر عاما، كانت الولايات المتحدة والغرب يسيطران على تكنولوجيا الأسلحة المتقدمة والمكونات الوسيطة، لكن اليوم أصبحت معظم المكونات التي تدخل في تصنيع الطائرات المسيرة الحوثية والإيرانية تصنع بأسعار زهيدة وبكميات ضخمة، مما يعني أن نقطة الخنق انتقلت من إيران إلى سلاسل الإمداد العالمية، وأصبح من المستحيل تقريبا قطع إمدادات هذه الجماعات.
ولا يمكن فهم هذا التصعيد في اعتقادي بمعزل عن الخطط الاستراتيجية للمشروع الصهيوني الذي تدعمه الولايات المتحدة، والتي بدأت تتكشف بوضوح منذ السابع من أكتوبر 2023. فقد انتقل المفهوم الأمني الإسرائيلي من الردع والدفاع إلى الهيمنة والاستباقية، وهو تحول يقضي على أي إمكانية لتحويل القوة العسكرية إلى مكاسب سياسية دائمة. فإسرائيل لم تعد تهدف إلى ردع خصومها فقط، بل إلى منعهم من إعادة تشكيل أنفسهم مرة أخرى، وهو ما يعني أن الحرب لم تعد وسيلة لتحقيق هدف سياسي، بل أصبحت هدفا في حد ذاتها. وهذا التحول هو ما يفسر لماذا لا توجد أي استراتيجية إسرائيلية واضحة للخروج من غزة، ولماذا ترفض إسرائيل أي مسار سياسي حقيقي، ولماذا تتحدث القيادة الإسرائيلية عن صراع لا ينتهي مع جيرانها.
والولايات المتحدة ليست طرفا خارجيا في هذا المشروع، بل هي شريك فيه بامتياز. فقد كشفت تقارير عديدة أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو زار البيت الأبيض في فبراير 2026، وقدم إحاطة سرية في غرفة العمليات بالبيت الأبيض حول خطة من أربع مراحل لضرب إيران وتغيير نظامها، وتضمنت الخطة اغتيال المرشد الأعلى، وتفكيك القدرات الصاروخية الإيرانية، وإشعال اضطرابات داخلية، ثم تغيير النظام. ورغم أن مسؤولي الاستخبارات الأمريكية وصفوا تقييم نتنياهو لتغيير النظام الإيراني بأنه غير واقعي، فإن الرئيس ترامب قرر المضي قدما في الحرب على إيران في 28 فبراير 2026. والنتيجة أن واشنطن انزلقت إلى حرب لا تعرف كيف تنتهي، وحمت إسرائيل من أي ارتدادات سياسية أو اقتصادية لسياساتها، واستخدمت حق النقض في مجلس الأمن ست مرات لمنع أي قرار يطالب بوقف إطلاق النار في غزة.
والأخطر من ذلك أن هذا المشروع الاستراتيجي لم يحقق أهدافه المعلنة، فقد فشلت إسرائيل في القضاء على حماس، وفشلت في تفكيك شبكة المحور الإيراني، وفشلت في إسقاط النظام الإيراني، بل على العكس تماما، أدت الحرب إلى تقوية النظام الإيراني، وتركته بقوة جديدة وسيطرة على مضيق هرمز. وهذا يعني أن المشروع الإسرائيلي-الأمريكي، رغم نجاحاته التكتيكية، أنتج نتائج استراتيجية معاكسة تماما لما أراده. والأخطر من ذلك أن هذا المشروع كشف عن خلل بنيوي في العلاقة بين الولايات المتحدة والسعودية، فالسعودية التي دفعت مليارات الدولارات على مدى عقود لشراء الأسلحة الأمريكية، وفتحت أراضيها لقواعد عسكرية أمريكية، وقدمت نفسها كحليف استراتيجي لواشنطن في مواجهة إيران، وجدت نفسها في اللحظة الحرجة وحدها. فبينما كانت الصواريخ الحوثية تسقط على مطار الرياض، وتستهدف منشآت أرامكو، وتقتل المدنيين، كانت الولايات المتحدة منشغلة بمغامرتها الإيرانية، وقررت أن سلامة وأمن حلفائها في الخليج مسألة ثانوية. وهكذا انهار آخر عنصر كان يحافظ على توازنات المنطقة، عندما أدركت السعودية أن الحماية الأمريكية التي دفعت ثمنها مليارات الدولارات لم تكن حماية حقيقية، بل كانت وعدا هشا تبخر في أول اختبار جدي. وما تواجهه السعودية الآن حرب طويلة ومعقدة مع خصم واسع الحيلة ومتحمس، مستعد لتحمل قدر كبير من المعاناة بطرق لا تستطيع السعودية مجاراتها من دون أن تعيد توجيه نفسها بالكامل نحو الحرب.
وتكشف هذه اللحظة عن مفارقة أعمق، إذ لم تعد السعودية تبحث عن حماية أمريكية ولا حتى عن مظلة باكستانية أو تركية بقدر ما وجدت نفسها مضطرة إلى الاستنجاد بمصر، ليس لأن مصر بديل عن أحد، بل لأن مصر هي الطرف الوحيد الذي أثبت أنه يقف مع السعودية دون شروط ودون تأخير ودون حسابات موازية، في وقت كانت فيه واشنطن منشغلة بترتيباتها الإقليمية، وباكستان وتركيا تقيسان خطواتهما بميزان المصالح والبرلمانات والمخاطر، وهكذا انكشف خلل بنيوي في الترتيبات الأمنية الإقليمية جعل الرياض تدرك أن الحماية ليست معاهدات موقعة ولا قواعد عسكرية ولا ترسانات مشتراة، بل موقف واضح يظهر في لحظة الاختبار.
وفي خضم هذا التصعيد، برز الموقف المصري كعامل توازن مهم، لا مجرد مجاملة دبلوماسية. فقد أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، في مقابلة مع بلومبرج على هامش اجتماعات صندوق النقد الدولي في بانكوك، أن مصر مستعدة لتلبية أي طلب سعودي، وأن أمن السعودية القومي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري والعربي، وقال إن مصر تدين هذه الهجمات إدانة كاملة، وإنها لا تقبل بالهجمات على الأراضي السعودية. ولا يقتصر الموقف المصري على التصريحات، بل يمتد إلى التحرك الدبلوماسي، فقد أجرى عبد العاطي اتصالا هاتفيا مع نظيره الإيراني عباس عراقجي، أكد فيه ضرورة الوقف الفوري لكل الهجمات التي تستهدف أراضي السعودية، وقال إنه لا يوجد مبرر لهذه الاعتداءات ولا يمكن القبول بها.
لكن الموقف المصري ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لرؤية استراتيجية أرساها الرئيس عبد الفتاح السيسي منذ عام 2014. فقد أدرك السيسي مبكرا أن المنطقة مقبلة على موجة من عدم الاستقرار، وأن مصر بحاجة إلى بناء قدراتها العسكرية والأمنية لمواجهة تهديدات متعددة الأبعاد. وفي خطابه في أكتوبر 2014، بعد الهجوم على نقطة عسكرية في سيناء الذي أسفر عن مقتل 31 جنديا، قال السيسي إن مصر تواجه معركة وجودية ضد التمرد الإسلامي، وأعلن حالة الطوارئ في شمال سيناء، وبدأ في إنشاء منطقة عازلة على الحدود مع غزة بعمق 500 متر، ثم قرر توسيعها إلى كيلومتر كامل لمواجهة الأنفاق التي تمتد لمسافة 2600 قدم داخل الأراضي المصرية. ولم تكن هذه مجرد إجراءات أمنية تكتيكية، بل كانت جزءا من رؤية استراتيجية أوسع تقوم على أن مصر لا يمكن أن تنتظر أن تحميها القوى الكبرى، بل يجب أن تبني قدراتها الذاتية، وأن تنوع تحالفاتها، وأن تكون فاعلا لا متلقيا.
وقد أثبتت الأحداث صحة هذه الرؤية. فبينما كانت القوى الكبرى منشغلة بمصالحها، واجهت مصر تهديدات الإرهاب وحدها، وطورت قدراتها العسكرية، ونوعت مصادر تسليحها، وبنَت شبكة تحالفات إقليمية تمتد من الخليج إلى القرن الأفريقي. وفي ملف سد النهضة، أدرك السيسي أن مصر تواجه تهديدا وجوديا، وقال في سبتمبر 2026 إن ملف السد الإثيوبي لن يكون على حساب وجود مصر وشعبها. وأشار إلى أن مصر خسرت نحو 20 مليار دولار من عوائد قناة السويس بسبب عدم الاستقرار في المنطقة. وهذا يعني أن مصر تدرك أن أمنها القومي لم يعد يتحدد في حدودها الجغرافية فحسب، بل في الممرات البحرية التي تعبر منها تجارتها، وفي الدول التي تستورد منها غذاءها، وفي الاستقرار الإقليمي الذي يسمح لاقتصادها بالنمو.
وقد تجلى الموقف المصري من التصعيد الأخير. فقد أجرى عبد العاطي اتصالا هاتفيا مع نظيره الإيراني، وأكد أن أمن دول الخليج العربي يمثل جزءا لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، وأن مصر تولي أهمية قصوى لأمن واستقرار الدول الخليجية الشقيقة. وهذا الموقف ليس جديدا، بل هو امتداد لسياسة ثابتة اعتمدتها مصر منذ عقود، وقوامها أن أمن الخليج هو جزء من الأمن القومي العربي، وأن أي تهديد لأي دولة خليجية هو تهديد لمصر. وقد أثبتت الأحداث أن هذا الفهم كان صحيحا، وأن مصر كانت تدرك قبل الآخرين أن المنطقة مقبلة على موجة من عدم الاستقرار، وأن الاستعداد المسبق هو السبيل الوحيد لمواجهتها.
وهنا أطرح التساؤل التالي: هل يمكن احتواء هذا التصعيد في ظل استمرار الحرب في غزة، وتوترات البحر الأحمر، والصراع في السودان، والأزمة الليبية؟ الإجابة ليست سهلة، لأن الحوثيين ليسوا طرفا مستقلا، بل هم جزء من شبكة إقليمية تقودها إيران، وهم يستخدمون التصعيد ضد السعودية كورقة ضغط في مفاوضات أوسع مع الولايات المتحدة. وهذا يعني أن أي حل للتصعيد الحوثي يجب أن يكون جزءا من تسوية إقليمية شاملة.
وإذا استمر التصعيد، فإن السيناريوهات المحتملة ثلاثة، يمكن قياسها بمعايير كمية دقيقة. السيناريو الأول هو استمرار الاستنزاف المتبادل، ويمكن قياسه من خلال ثلاثة مؤشرات: عدد الهجمات الحوثية على العمق السعودي شهريا، وعدد الضربات السعودية على مواقع الحوثيين في اليمن أسبوعيا، ومعدل انخفاض عائدات قناة السويس ربع السنوي. فإذا استمرت الهجمات الحوثية بمعدل يتجاوز خمس هجمات شهريا، واستمرت الضربات السعودية بمعدل يتجاوز مئة غارة أسبوعيا، وانخفضت عائدات قناة السويس بنسبة تتجاوز أربعين في المئة لربع سنوي كامل، فإن السيناريو الأول يتحقق.
والسيناريو الثاني هو انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية شاملة، ويمكن قياسه من خلال ثلاثة مؤشرات: إعلان إيران تدخلا مباشرا في الصراع، أو توجيه الولايات المتحدة ضربة عسكرية لإيران، أو توسع الصراع ليشمل مضيق هرمز. فإذا تحقق أي من هذه المؤشرات الثلاثة، فإن السيناريو الثاني يتحقق.
والسيناريو الثالث هو التوصل إلى تسوية إقليمية شاملة، ويمكن قياسه من خلال ثلاثة مؤشرات: وقف التصعيد في اليمن، ورفع الحصار عن غزة، وضمان أمن الممرات البحرية. فإذا تحققت هذه المؤشرات الثلاثة، فإن السيناريو الثالث يتحقق. وهذا السيناريو هو الأقل ترجيحا في المدى القصير، لكنه الأكثر استدامة في المدى البعيد.
والسؤال الأكثر إحراجا هو: من يستفيد من استمرار هذا الاشتعال؟ والإجابة ليست إيران وحدها، ولا إسرائيل وحدها، بل هناك ثلاثة مستويات من المستفيدين. المستوى الأول هو المستفيدون السياسيون، فبنيامين نتنياهو يستفيد من استمرار الحرب لأنه يؤجل ملفات الفساد ولجان التحقيق، ويضمن بقاءه في السلطة عبر الخطاب الأمني. ودونالد ترامب يستفيد من الحرب لأنه يستخدمها كورقة انتخابية، ويمنح نفسه صورة القائد الحاسم قبل انتخابات التجديد النصفي. والمستوى الثاني هو المستفيدون الاقتصاديون، فشركات السلاح والنفط تحقق أرباحا ضخمة من استمرار الصراع، وبنوك الاستثمار في وول ستريت تستفيد من تقلبات الأسواق وارتفاع أحجام التداول. والمستوى الثالث هو المستفيدون الجيوسياسيون، فبينما تتحمل الدول العربية الكلفة الأمنية والاقتصادية للحرب، يرى محللون أن الكيان الصهيوني بات هو المستفيد الأكبر من هذا الصراع.
خلاصة الفكرة التي أود إيصالها إليكم أن ما يجري اليوم على حدود السعودية وفي مياه البحر الأحمر ومضيق هرمز ليس مجرد حلقة جديدة في صراع إقليمي ممتد، بل هو لحظة انكشاف كبرى، انكشف فيها أن الترتيبات الأمنية التي راهنت عليها المنطقة لعقود لم تعد قادرة على حماية أحد، وأن الولايات المتحدة التي دفعت الرياض ثمن حمايتها مليارات الدولارات لم تكن حماية حقيقية بل وعدا هشا تبخر في أول اختبار جدي، وأن الحوثيين لم يعودوا جماعة محلية بل فاعلا إقليميا يهدد العمق السعودي ويعطل الملاحة ويحرك أسواق الطاقة، وأن إيران تقف خلفهم لا كممول عابر بل كقائد لمنظومة عابرة للحدود تمتلك قدرات مستقلة وخطوط إمداد ومناهج تدريب، وأن إسرائيل لم تنجح في أي من أهدافها المعلنة بل أنتجت نتائج معاكسة تماما، وأن مصر وحدها هي الطرف الذي لم ينتظر أن يُطلب منه الدعم ولم يبع وعدا ولم يقيس خطواته بميزان المصالح والبرلمانات، بل أعلن من اللحظة الأولى أن أمن السعودية جزء لا يتجزأ من أمنها القومي، وأنها مستعدة لتلبية أي طلب سعودي دون شروط ودون تأخير ودون حسابات موازية، وأن هذا الموقف ليس وليد اللحظة بل هو امتداد لرؤية استراتيجية أدركت منذ 2014 أن المنطقة مقبلة على موجة من عدم الاستقرار، وأن الاستعداد المسبق هو السبيل الوحيد لمواجهتها، فبنت مصر قدراتها العسكرية ونوعت تحالفاتها وأرست عقيدة تقوم على أن مصر لا تنتظر من يحميها بل تحمي نفسها وتبني شبكة مصالحها وتكون فاعلا في أي ترتيبات إقليمية مقبلة، وأن الدرس الأكبر من هذه اللحظة ليس أن الحرب قادمة، بل أن من يريد أن يكون فاعلا في الشرق الأوسط الجديد عليه أن يبني قدراته قبل أن يحتاج إليها، وأن يبني تحالفاته قبل أن تُفرض عليه، وأن يبني رؤيته قبل أن تصنع له، وأن من ينتظر الحماية سيجد نفسه وحده في لحظة الاختبار، وأن من يبنيها بيده سيجد في اللحظة نفسها من يقف معه لا لأن أحدا أراد ذلك، بل لأنه هو من جعل ذلك ممكنا.



