قمة أنقرة .. هل ينجح الناتو في تجاوز أخطر اختبار منذ تأسيسه؟
بقلم محمد خالد الحسينى
بين غضب ترامب وطموحات أردوغان ومستقبل الناتو .. تستضيف العاصمة التركية أنقرة يومي السابع والثامن من يوليو قمة حلف شمال الأطلسي الناتو، في لحظة توصف بأنها من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ الحلف منذ تأسيسه عام 1949.
فالقمة لا تنعقد هذه المرة في ظل حرب أوكرانيا فقط، ولا في ظل التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، بل تأتي أيضاً بينما يعيش الحلف أزمة داخلية تتعلق بعلاقته مع الدولة التي قادته طوال أكثر من سبعة عقود، وهي الولايات المتحدة الأمريكية.
هذه القمة تبدو مختلفة عن سابقاتها؛ فالعنوان الحقيقي ليس فقط الأمن الأوروبي أو مستقبل الردع العسكري، وإنما سؤال أكبر يفرض نفسه على الجميع: إلى أين يتجه الناتو إذا استمرت الخلافات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين؟ وهل لا يزال الحلف قادراً على الحفاظ على تماسكه إذا قررت الولايات المتحدة تقليص دورها أو إعادة تعريف التزاماتها؟
ترامب يعيد طرح السؤال الذي يؤرق الحلف، قبل أيام من انعقاد القمة .. صعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من لهجته تجاه حلفائه الأوروبيين، معتبراً أن العلاقة بين الولايات المتحدة والناتو أصبحت أحادية الجانب، وأن واشنطن تتحمل الجزء الأكبر من أعباء الدفاع بينما تستفيد بقية الدول من المظلة العسكرية الأمريكية دون أن تتحمل نصيباً عادلاً من التكلفة.
ولم يكتف ترامب بالتصريحات، بل نشر أرقاماً توضح حجم الإنفاق الدفاعي للدول الأعضاء، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة تنفق نحو 999 مليار دولار، وهو رقم يفوق بفارق كبير إنفاق بقية الدول الكبرى داخل الحلف مثل بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وبولندا.
من وجهة نظر ترامب، لا يتعلق الأمر بالأموال فقط، بل بمبدأ يعتبره أساسياً، وهو العدالة في تقاسم الأعباء. فهو يرى أن الولايات المتحدة تدفع ثمن أمن أوروبا منذ عقود، بينما لم تبادر كثير من الدول الأوروبية إلى رفع إنفاقها العسكري إلا بعد الضغوط الأمريكية المستمرة.
ما الذي أغضب ترامب؟ لا تقتصر أسباب استياء الرئيس الأمريكي على قضية الميزانيات الدفاعية، فالخلافات تفاقمت بعد العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران، حين فرضت عدة دول أوروبية قيوداً على استخدام الولايات المتحدة لبعض القواعد العسكرية والمجالات الجوية، وهو ما اعتبره ترامب دليلاً على أن الحلفاء لا يقفون إلى جانب واشنطن عندما تحتاج إليهم.
ومن هنا جاءت عبارته التي أثارت اهتماماً واسعاً عندما قال إن الولايات المتحدة لم تجدهم عندما احتاجت إليهم، مؤكداً أن العلاقة الحالية مع الحلف ليست علاقة متبادلة كما ينبغي أن تكون.
وبالنسبة للإدارة الأمريكية، فإن الأزمة لم تعد مجرد خلاف مالي، وإنما أصبحت مرتبطة بمستوى الالتزام السياسي والعسكري بين أعضاء الحلف.
هل قرر ترامب فعلاً تغيير مستقبل الناتو؟ هذا هو السؤال الذي يسبق القمة .. حتى الآن، لا توجد مؤشرات رسمية على أن الولايات المتحدة تنوي الانسحاب من الناتو، لكنها تعطي إشارات واضحة إلى أنها تريد إعادة صياغة قواعد العلاقة داخل الحلف.
ترامب لا يخفي رغبته في أن تتحمل أوروبا مسؤولية أكبر عن أمنها، وأن تتولى قيادة جزء أكبر من الدفاع عن القارة، بينما تحتفظ الولايات المتحدة بدور أقل كلفة وأكثر ارتباطاً بمصالحها المباشرة.
ولهذا السبب يطالب الحلفاء برفع الإنفاق الدفاعي تدريجياً إلى ما يعادل 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، مع تحويل هذه الزيادات إلى قدرات عسكرية حقيقية، وليس مجرد أرقام في الموازنات.
هل يمكن أن يستمر الناتو دون الولايات المتحدة؟ هذا السؤال يفرض نفسه كلما تصاعدت تصريحات ترامب .. فالولايات المتحدة ليست مجرد عضو في الحلف، بل هي القوة العسكرية الأكبر، والدولة القائدة للحلف، وصاحبة أكبر مساهمة مالية، وصاحبة القدرات النووية والتكنولوجية واللوجستية التي تشكل العمود الفقري للناتو.
ولهذا يرى كثير من المراقبين أن خروج واشنطن، إن حدث مستقبلاً، لن يعني نهاية الحلف بالضرورة، لكنه سيغيّر طبيعته جذرياً.
فالدول الأوروبية تمتلك جيوشاً متقدمة واقتصادات ضخمة، لكنها ما زالت تعتمد بدرجات متفاوتة على القدرات الأمريكية في مجالات القيادة والسيطرة والاستخبارات والنقل الاستراتيجي والردع النووي.
ولهذا بدأت أوروبا خلال السنوات الأخيرة الحديث بصورة متزايدة عن الاستقلال الاستراتيجي، ومحاولة بناء قدرة دفاعية أوروبية أكثر استقلالاً، لكن هذه المشاريع ما زالت تحتاج إلى سنوات طويلة حتى تصبح بديلاً كاملاً للمظلة الأمريكية.
هل يستطيع الحلف إرضاء ترامب؟ هذا هو الهدف غير المعلن لقمة أنقرة .. فالدول الأوروبية تدرك أن استمرار الخلاف مع واشنطن ليس في مصلحة أحد، ولذلك تسعى إلى إظهار أنها استجابت للمطالب الأمريكية.
الأمين العام للناتو مارك روته حرص قبل القمة على عرض الزيادة الكبيرة في الإنفاق الدفاعي الأوروبي، مؤكداً أن الحلفاء بدأوا بالفعل يتحملون مسؤوليات أكبر.
كما تشير معلومات متداولة إلى أن عدداً من الدول أجّلت الإعلان عن صفقات تسليح ضخمة حتى موعد القمة، بحيث تظهر بصورة جماعية، في رسالة مباشرة إلى ترامب بأن الأموال تتحول فعلاً إلى قدرات عسكرية وصفقات إنتاج مشترك.
وبذلك يحاول الحلف إقناع الرئيس الأمريكي بأن ضغوطه لم تذهب سدى، وأن أوروبا بدأت تتحرك بالاتجاه الذي يريده.
هل يتراجع ترامب إذا تحقق ذلك؟ لا يوجد جواب قاطع .. لكن المؤشرات الحالية توحي بأن ترامب يبحث عن نتائج ملموسة أكثر من بحثه عن وعود جديدة.
فإذا خرجت القمة بإعلانات واضحة حول رفع الإنفاق، وتوقيع صفقات دفاعية، وزيادة مساهمة الأوروبيين في الأمن الجماعي، فقد يسهم ذلك في تخفيف حدة التوتر بين واشنطن والحلف.
أما إذا اعتبر أن ما تحقق لا يزال أقل من توقعاته، فمن المرجح أن تستمر انتقاداته، وإن لم يصل الأمر إلى حد القطيعة.
هل سيحضر ترامب القمة؟ رغم لهجته الحادة تجاه الحلف، أكد ترامب عزمه المشاركة في قمة أنقرة، بل أوضح أن قراره جاء احتراماً للرئيس رجب طيب أردوغان، مضيفاً أنه لولا انعقاد القمة في تركيا وبدعوة من أردوغان لما كان سيحضر.
وتكشف هذه التصريحات أن العلاقة الشخصية بين الرئيسين ما زالت تمثل عاملاً مهماً في حسابات الطرفين، وربما تكون إحدى الأوراق التي تراهن عليها أنقرة لإنجاح القمة.
لماذا تمثل القمة فرصة استثنائية لتركيا؟ لا تنظر أنقرة إلى القمة باعتبارها مجرد استضافة دبلوماسية .. بل ترى فيها فرصة لتعزيز مكانتها داخل الحلف، وترسيخ دورها كقوة إقليمية يصعب تجاوزها.
فتركيا تمتلك موقعاً جيوسياسياً بالغ الأهمية بين أوروبا والشرق الأوسط والبحر الأسود، كما تمتلك ثاني أكبر جيش داخل الحلف من حيث العدد، وأصبحت خلال السنوات الأخيرة لاعباً رئيسياً في الصناعات الدفاعية.
ولهذا تسعى إلى استثمار القمة لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية واقتصادية في آن واحد.
ماذا تريد أنقرة من الحلف؟ تطمح تركيا إلى تحقيق عدة أهداف .. أولها تخفيف القيود المفروضة على صناعاتها الدفاعية، وإعادة دمجها بصورة أوسع في المشاريع العسكرية المشتركة.
وثانيها إعادة فتح ملفات التعاون العسكري مع الولايات المتحدة، وعلى رأسها برنامج مقاتلات F-35، إضافة إلى توسيع الشراكات المتعلقة بالطائرة التركية الوطنية “قاآن” والصناعات الدفاعية الأخرى.
كما ترغب في أن يعترف الحلف بصورة أكبر بالدور الذي تؤديه تركيا في حماية الجناح الشرقي للناتو، وفي إدارة الأزمات الممتدة من البحر الأسود إلى الشرق الأوسط .. لكن الطريق أمام تركيا ليس سهلاً.
في المقابل، تواجه الرؤية التركية تحفظات أوروبية، وفي مقدمتها فرنسا .. فباريس تتبنى منذ سنوات فكرة تعزيز الدفاع الأوروبي المستقل، وتخشى أن يؤدي توسيع دور أنقرة داخل المنظومة الدفاعية الأوروبية إلى منحها مكاسب سياسية وعسكرية لا تتوافق مع الخلافات القائمة بين الطرفين.
كما أن التوترات في شرق البحر المتوسط، والخلافات حول سوريا، والعلاقات التركية مع روسيا، وصفقة منظومة إس-400، كلها عوامل تجعل عدداً من الدول الأوروبية يتعامل بحذر مع الطموحات التركية.
ويضاف إلى ذلك المنافسة المتزايدة بين الصناعات الدفاعية التركية والفرنسية، خاصة في أسواق الشرق الأوسط والخليج، حيث تسعى أنقرة لتسويق مشروع مقاتلة “قاآن”، بينما تعمل باريس على تعزيز انتشار مقاتلات “رافال”.
تحركات مكثفة قبل القمة شهدت أنقرة خلال الأسابيع الأخيرة استعدادات استثنائية .. فتم تطوير البنية التحتية، وتجهيز مطار أنقرة لاستقبال الوفود، ووضع خطة أمنية واسعة، إلى جانب تنظيم سلسلة من الاجتماعات والفعاليات والحوارات الأمنية التي سبقت القمة.
كما ستشهد العاصمة اجتماعات لوزراء الخارجية والدفاع، ولقاءات بين خبراء الأمن والسياسات الدفاعية، إضافة إلى منتديات مخصصة للصناعات العسكرية، في محاولة لتحويل القمة إلى منصة لإطلاق شراكات ومشروعات جديدة.
هل تستطيع تركيا إنجاح المهمة؟ تسعى أنقرة إلى لعب دور الوسيط والمضيف في الوقت نفسه .. فهي تحافظ على علاقات جيدة مع الولايات المتحدة، وتحتفظ في الوقت ذاته بقنوات اتصال مع روسيا، كما ترتبط بعلاقات متنوعة مع الدول الأوروبية.
وتأمل القيادة التركية في أن ينعكس نجاح القمة على مكانتها الدولية، وأن تظهر باعتبارها دولة قادرة على جمع الحلفاء في مرحلة تزداد فيها الانقسامات.
غير أن نجاح هذه المهمة لن يتوقف على التنظيم الأمني أو الدبلوماسي فقط، بل على قدرة القادة المجتمعين على تجاوز خلافاتهم الجوهرية.
هل تجري دول الحلف وراء ترامب؟ قد يبدو الأمر كذلك من زاوية معينة، خاصة مع حرص الحلفاء على إبراز زيادة الإنفاق الدفاعي والإعلان عن صفقات جديدة.
لكن من زاوية أخرى، فإن الدول الأوروبية لا ترى أنها تستجدي رضا واشنطن، بل تعتبر أن الحفاظ على وحدة الحلف مصلحة مشتركة للجميع، وأن تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية أصبح ضرورة فرضتها التطورات الأمنية، بغض النظر عن شخصية الرئيس الأمريكي.
ولهذا فإن محاولات إرضاء ترامب لا تعني بالضرورة التخلي عن الرؤى الأوروبية، وإنما تعكس رغبة في منع تحول الخلافات إلى أزمة تهدد مستقبل الحلف.
إلى أين يتجه الناتو؟ ربما تكون قمة أنقرة نقطة فاصلة في مسار الحلف .. فإما أن تنجح في إعادة بناء الثقة بين الولايات المتحدة وحلفائها، عبر التوصل إلى تفاهمات جديدة حول تقاسم الأعباء والمسؤوليات، وإما أن تؤكد أن الخلافات أصبحت أعمق من أن تعالجها البيانات الختامية والوعود السياسية.
ومهما كانت نتائج القمة، فإن المؤكد أن الناتو يدخل مرحلة جديدة تختلف عن كل ما عرفه منذ نهاية الحرب الباردة.
فالولايات المتحدة تريد حلفاً أقل كلفة وأكثر توازناً، وأوروبا تريد دوراً أكبر واستقلالية أوسع، وتركيا تريد تثبيت موقعها كقوة لا يمكن تجاوزها داخل المنظومة الغربية.
وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، ستحدد مخرجات قمة أنقرة ليس فقط مستقبل العلاقة بين واشنطن وحلفائها، بل أيضاً شكل النظام الأمني الأوروبي خلال السنوات المقبلة، وما إذا كان الحلف سيخرج أكثر تماسكاً، أم سيدخل مرحلة طويلة من إعادة تعريف أدواره وتوازناته الداخلية.



