
فوضى الكلاب الضالة بلا ضوابط.. بين ادعاءات الرحمة ومخاطر تهدد أمن المواطنين
حين يصبح الطريق مصدرًا للخوف.. فإن حماية الإنسان وفرض سيادة القانون مسؤولية لا تحتمل التأجيل
بقلم سماح محروس
لم تعد قضية انتشار الكلاب الضالة في الشوارع والميادين والمناطق السكنية مجرد ظاهرة عابرة أو موضوعًا للجدل بين مؤيدي الرفق بالحيوان ومعارضيه، بل أصبحت قضية مجتمعية بالغة الأهمية، تستوجب التعامل معها بمنتهى الجدية والمسؤولية، في ظل المخاوف المتزايدة من حوادث العقر والهجوم على المارة، وما قد يترتب عليها من إصابات خطيرة تهدد سلامة المواطنين، ولا سيما الأطفال والنساء وكبار السن.
فمن غير المقبول أن يتحول الطريق العام، الذي يُفترض أن يكون مساحة آمنة لحركة المواطنين، إلى مصدر للقلق والخوف، أو أن يصبح ذهاب الأطفال إلى مدارسهم وعودتهم منها رحلة محفوفة بالمخاطر، نتيجة وجود تجمعات من الكلاب الضالة بالقرب من المؤسسات التعليمية والمناطق السكنية.
وبين حق الحيوان في الرعاية وحق الإنسان في الحياة والأمان، لا ينبغي أن تضيع المسؤولية أو تغيب الضوابط.
إن الرحمة بالحيوان قيمة إنسانية ودينية نبيلة، لا يختلف على أهميتها أصحاب الضمائر الحية، غير أن هذه الرحمة لا يجوز أن تتحول إلى مبرر لترك المخاطر دون معالجة، أو إلى وسيلة لتعطيل الإجراءات الرسمية اللازمة لحماية المواطنين.
كما أن أي شبهات تتعلق باستغلال هذه القضية لتحقيق مكاسب مالية، سواء من خلال أنشطة الرعاية أو تجارة الأمصال أو غيرها، تستوجب الرقابة والتحقيق متى توافرت أدلة جدية، دون تعميم الاتهامات على جميع العاملين في مجال الرفق بالحيوان، فهناك فارق كبير بين العمل الإنساني المسؤول والممارسات التي قد تستغل معاناة الإنسان أو الحيوان لتحقيق مصالح خاصة.
والحقيقة أن حماية الإنسان والرفق بالحيوان ليسا بالضرورة هدفين متعارضين، وإنما يتطلب تحقيقهما إدارة علمية ومنظومة رسمية واضحة، تضع سلامة المواطنين في مقدمة الأولويات، وتضمن في الوقت نفسه التعامل الإنساني والمنضبط مع الحيوانات.
أمن الطرق والمدارس.. مسؤولية لا تقبل التهاون
إن وجود تجمعات من الكلاب الضالة أمام المدارس والجامعات والمستشفيات وفي الشوارع السكنية يستدعي اهتمامًا خاصًا، لما قد يمثله من مخاطر على المارة، فضلًا عن الأثر النفسي الذي يتركه الخوف من التعرض للهجوم، خاصة لدى الأطفال.
ولا يمكن تجاهل أن بعض الكلاب قد تُظهر سلوكًا عدوانيًا نتيجة الخوف أو الدفاع عن مناطق وجودها أو صغارها أو موارد غذائها، وأن وجود مجموعات منها قد يزيد صعوبة التعامل مع المواقف الخطرة.
ومن هنا، فإن التعامل مع الظاهرة لا ينبغي أن يقوم على ردود الأفعال المؤقتة، أو أن يُترك لاجتهادات الأفراد والجماعات، وإنما يجب أن يستند إلى تقييم علمي للمخاطر وإجراءات وقائية فعالة.
أين دور الجهات المعنية؟
إن مواجهة هذه الظاهرة تستلزم تنسيقًا واضحًا بين الجهات البيطرية والمحليات والجهات الصحية والبيئية والأمنية المختصة، كلٌّ في حدود اختصاصاته القانونية، من أجل وضع خطة متكاملة لإدارة أعداد الكلاب الضالة والحد من مخاطرها.
وتشمل هذه الخطة الاستجابة العاجلة للبلاغات المتعلقة بالكلاب العدوانية، وتأمين محيط المدارس والمستشفيات، وتنفيذ برامج التطعيم والتعقيم والرصد البيطري، وتحسين إدارة المخلفات ومصادر الغذاء المكشوفة التي تسهم في تجمع الكلاب، إلى جانب إنشاء مرافق إيواء مناسبة للحالات التي تستدعي النقل، وفقًا للقدرات المتاحة والمعايير البيطرية والإنسانية.
فمجرد نقل الكلاب بصورة عشوائية من مكان إلى آخر لا يمثل بالضرورة حلًا مستدامًا، كما أن تركها دون متابعة أو إدارة لا يحقق الحماية المطلوبة.
البرلمان أمام مسؤولية مجتمعية
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية الدور الرقابي والتشريعي لمجلس النواب، من خلال مناقشة أبعاد الظاهرة، وتقديم طلبات الإحاطة، ومتابعة أداء الجهات التنفيذية المختصة، والتأكد من وجود خطط واضحة وموازنات مناسبة وآليات لقياس النتائج.
كما تبرز ضرورة مراجعة الضوابط المنظمة لأنشطة التعامل مع الحيوانات الضالة، بما يضمن الشفافية والمساءلة، ويمنع أي استغلال مالي غير مشروع، ويحقق التوازن بين متطلبات الصحة العامة والرفق بالحيوان.
إن المواطن لا يطالب بأكثر من حقه الطبيعي في السير الآمن، وأن يذهب طفله إلى المدرسة ويعود إلى منزله دون خوف، وأن يتمكن كبار السن والمرضى من الحركة في الطرقات دون التعرض لمخاطر يمكن الوقاية منها.
لا ضرر ولا ضرار
لقد أرست الشريعة الإسلامية مبدأ عظيمًا في دفع الضرر، وهو «لا ضرر ولا ضرار»، كما ورد التوجيه بإماطة الأذى عن الطريق، وهي مبادئ تؤكد أهمية حماية الإنسان والمجتمع من مصادر الخطر، مع الالتزام بالرحمة وعدم الإيذاء بغير ضرورة.
ولذلك، فإن المطلوب ليس إطلاق دعوات عشوائية لإيذاء الحيوانات، ولا التساهل مع المخاطر التي قد تهدد المواطنين، وإنما اتخاذ إجراءات رسمية حاسمة ومنضبطة، تستند إلى العلم والقانون، وتضع حماية الأرواح في مقدمة الاعتبارات.
فالشوارع ليست مأوى مفتوحًا بلا ضوابط، ولا يجوز أن يتحول حق المواطنين في الأمان إلى قضية مؤجلة وسط سجالات لا تنتهي.
إن مواجهة انتشار الكلاب الضالة مسؤولية مشتركة، تبدأ من الإدارة الجادة للملف، ولا تنتهي إلا بوجود منظومة مستدامة تحقق الأمان وتمنع تكرار الحوادث.
وفي النهاية، تبقى الرسالة واضحة:
إن حياة الإنسان وسلامة الأطفال وكبار السن وأمان الطرق والمرافق العامة حقوق أصيلة تستوجب الحماية، وإن الرحمة الحقيقية لا تكون بترك الضرر قائمًا، وإنما بمنعه، وحماية المجتمع، والتعامل المسؤول مع جميع الكائنات.
فلا رحمة حقيقية في تجاهل معاناة الإنسان، ولا حماية حقيقية في غياب القانون والعلم والمسؤولية



