المنصه الدوليه

الشخص المناسب في المكان المناسب مدخل إصلاح المؤسسات الفلسطينية

كتب/ رامي الغف*

تُعدّ مقولة «وضع الشخص المناسب في المكان المناسب» أساسًا لنجاح المؤسسات وتطور الدول، إذ إن اختيار المسؤولين في الوزارات والهيئات والمؤسسات والسفارات يجب أن يستند إلى الكفاءة والنزاهة والخبرة والتخصص، بعيداً عن المحسوبية والولاءات الفصائلية والعلاقات الشخصية.

وفي الحالة الفلسطينية، وبعد سنوات طويلة من تشكيل الحكومات وتعاقب المسؤولين، لا تزال هناك تساؤلات جدية حول آليات التعيين ومدى الالتزام بمعايير الاستحقاق والكفاءة. فحين تتقدم الاعتبارات الفصائلية والمصالح الشخصية على المؤهلات والخبرات، تتراجع فاعلية المؤسسات، وتتأثر مسيرة التنمية الاقتصادية والتعليمية والصحية والخدماتية، وتتراجع ثقة المواطن بمؤسساته الوطنية.

إن المناصب العامة ليست مكافآت تُمنح للمقربين، ولا امتيازات تُوزع وفق الولاءات، بل مسؤوليات وطنية تتطلب أشخاصاً يمتلكون الكفاءة المهنية والنزاهة الوطنية، ويضعون مصلحة الوطن والمواطن فوق كل اعتبار، فالكفاءة الوطنية تعني الإخلاص في خدمة الشعب دون تمييز، والكفاءة المهنية تعني امتلاك المؤهلات والخبرات والقدرات اللازمة لإدارة المؤسسات وتحقيق أهدافها.

ومن المؤسف أن يشعر كثير من أصحاب الكفاءات بالتهميش وغياب تكافؤ الفرص، في الوقت الذي تستمر فيه بعض القيادات في مواقعها لسنوات طويلة دون تجديد أو تقييم جاد للأداء. وفي المقابل، يضطر بعض أصحاب الخبرات إلى الهجرة بحثاً عن فرص أفضل وحياة كريمة، وهو ما يشكل خسارة للطاقات التي يحتاج إليها وطننا في هذه المرحلة الحساسة.

إن الوزارات والهيئات والمؤسسات والسفارات الفلسطينية بحاجة إلى إصلاح حقيقي يقوم على تجديد القيادات، ومكافحة المحسوبية، وإنهاء مظاهر التوريث الوظيفي، واعتماد معايير شفافة وعادلة للتعيين والتقييم والمساءلة. ولا يعني ذلك إقصاء أحد أو التقليل من خبرات أصحاب التجربة، بل إتاحة الفرصة لكل كفاءة قادرة على العطاء، وضمان أن يكون المنصب من نصيب الأجدر به، بصرف النظر عن انتمائه السياسي أو خلفيته الاجتماعية والدينية.

إننا أمام حاجة وطنية ملحّة لبناء نظام سياسي وإداري ديمقراطي، يقوم على التعددية والشراكة الحقيقية وسيادة القانون وتكافؤ الفرص، ويضمن للمواطن الحرية والكرامة والمساواة، ويعيد الثقة بالمؤسسات الوطنية. ولا يمكن تحقيق ذلك دون تجاوز الانقسام وآثاره، وتغليب المصلحة العامة على الحسابات الشخصية والفئوية.

لقد آن الأوان لثورة إصلاح وتطوير وتجديد في مؤسساتنا الوطنية، ثورة في أساليب الإدارة ومعايير الاختيار، لا في الشعارات وحدها. ففلسطين تستحق مؤسسات تليق بتضحيات شعبها، وكفاءات قادرة على النهوض بمسؤولياتها، ومسؤولين يدركون أن المنصب تكليف لا تشريف، وأن المناصب زائلة مهما طال شاغلوها، بينما يبقى الوطن وحقوق شعبه وكرامته فوق كل اعتبار.

إن وضع الشخص المناسب في المكان المناسب ليس مطلباً إدارياً فحسب، بل ضرورة وطنية لبناء مؤسسات قوية، وتحقيق العدالة، وصون مستقبل الأجيال الفلسطينية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock