
“وجيه نزيه” نجاحات دؤوبة و مطالب شعبية لإستعادة الآثار المصــرية المنهوبة .
ملحمة الدولة المصرية في إسترداد آثارنا بالخارج .
تمثل الحضارة المصرية القديمة إرثاً إنسانياً فريداً يتجاوز الحدود الجغرافية إلا أن جزءاً كبيراً من هذا التراث العظيم تعرض عبر عقود طويلة لعمليات نهب و تهريب و تصدير بطرق غير شرعية في أزمنة الإستعمار و غياب صرامة الرقابة ،و أما في السنوات الأخيرة خاضت الدولة المصرية عبر وزاراتها المعنية و بمقدمتها وزارة السياحة و الآثار بالتعاون مع وزارة الخارجية و الجهات القضائية معركة دبلوماسية و قانونية شرسة و غير مسبوقة لإستعادة هذا الإرث المنهوب .
و علي هذا السياق لم تكن هذه المساعي مجرد محاولات لإستعادة أحجار و تماثيل بل كانت سعياً لإستعادة الروح الوطنية ،و تأكيداً على سيادة مصر في حق إرث تاريخها العظيم .
و من هذا المُنطلق نجحت هذه الجهود الحثيثة و تدافرت في إعادة آلاف القطع الأثرية الثمينة من العواصم الأوروبية مثل فرنسا و بريطانيا و ألمانيا، و إيطالياو أخيراً ليس بأخر سويسرا بعد إثبات خروجها بطرق تدليسية تخالف القوانين الدولية و إتفاقيات منظمة اليونسكو .
و علي هذا النهج قد توجت هذه الجهود الدبلوماسية الدؤوبة و القانونية الجبارة بإستعادة رموز تاريخية بارزة كانت تمثل درة التاج المصرية في المتاحف الأوروبية ،و يأتي في مقدمتها إستعادة رأس الملك رمسيس الثاني التي خرجت من البلاد بطريقة غير شرعية منذ عدة عقود و تمت إستعادتها مؤخراً من سويسرا بعد معركة قانونية شاقة أثبتت أحقية مصر فيها .. كما نجحت الدولة في إسترداد تابوت الكاهن نجم عنخ الشهير من متحف المتروبوليتان ،و الذي تبين خروجه بتراخيص مزورة ،و بالإضافة إلى إستعادة لوحة جنائزية نادرة تعود للأسرة الثلاثين و مجموعات فريدة من العملات الأثرية و المخطوطات النادرة التي تم ضبطها في قاعات المزادات البريطانية الكبرى قبل بيعها ،و استكمالاً لهذا شملت حصاد الجهود المصرية إسترداداً لأكثر من ٣٠ ألف قطعة أثرية متنوعة خلال السنوات الأخيرة وحدها .. فتضمنت تماثيل أوشابتي و أواني كانوبية و مصنوعات يدوية من الأحجار الكريمة و حلياً ملكياً يعود لمختلف عصور التاريخ المصري القديم و ايضاً اليوناني الروماني و حتي الإسلامي .
و لقد تجسدت إستمرارية هذه الملحمة الوطنية اليوم بنجاح الدولة المصرية عبر سفارتها في العاصمة السويسرية برن في إتمام فصل جديد من فصول إسترداد التراث .. حيث تسلمت رسمياً قطعة أثرية جنائزية نادرة تعود للعصر البطلمي تزامناً مع الجهود المستمرة التي أسفرت عن إسترداد قناع مومياء ذهبي أثري بالغ الأهمية و القيمة التاريخية و الفنية الجمالية ،و ذلك في إطار تطبيق الإتفاقيات الدولية و الثنائية المشتركة لمكافحة الإتجار غير المشروع بالمُمتلكات الثقافية و حماية الإرث الحضاري المصري بالخارج .
و على الرغم من هذه الإنجازات اليوم ،و التي أعادت أجزاء نابضة من تاريخ هذا الوطن ولا سيما الإنجازات المُتتالية على الساحة الأوروبية و السويسرية إلا أن هناك العديد من القطع الأثرية الفريدة التي لا تزال مُحتجزة في الخارج و تنتظر العودة إلى حضن وطنها الأم ،و في طليعة هذه الآثار التي لم تُسترد بعد رأس الملكة نفرتيتي المعروضة في متحف برلين الجديد ،و التي خرجت بطريقة أثارت الكثير من الجدل المثير ،و ايضاً حجر رشيد الذي يُعرض بالمتحف البريطاني ،و قد كان سبباً رئيسياً في فك رموز اللغة الهيروغليفية .. فضلاً عن زهرة اللوتس الشهيرة لتوت عنخ آمون و قطع أخرى لا تعد ولا تحصى موزعة بين متاحف لندن و باريس و ڤيينا ،و التي خرجت عبر بعثات التنقيب الجائر و قوانين القسمة المُجحفة التي فُرضت على مصر في عصور الإستعمار و الإضمحلال .
و على مُجمل كل هذا السعي المُستمر الدؤوب ،و من هنا تنطلق مطالبة شعبية مصرية وطنية خالصة و واعية تلتف حول القيادة السياسية العليا و مؤسسات الدولة داعية إلى إستمرار و تكثيف هذه الجهود حتى يعود آخر حجر نُهب من أرض الكنانة .. حيث لدي الشعب المصري و هو يتابع بفخر و إعتزاز كل قطعة تعود إلى أرض الوطن يُجدد العهد بأن آثار أجداده ليست سلعاً للبيع في المزادات العالمية ولا ديكورات في متاحف الغرب بل هي شواهد حية على هوية أمة عظيمة .. فإن النداء الشعبي اليوم هو نداء ضمير إنساني و وطني خالص موجه إلى كافة المنظمات الدولية و الحكومات الأوروبية بضرورة تسليم ما تبقى من آثار خرجت بطرق غير شرعية و الإلتفاف على القوانين لتجتمع شمل الحضارة المصرية تحت سقف واحد بالمتحف المصري الكبير حيث في النهاية ترقد بسلام في شواهد التاريخ و مستقرها الأصلي و الأبدي .



