التبكير بالعام الدراسي.. بين مخاوف الأسر وسلامة الطلاب والمعلمين
بقلم سماح محروس
تتزايد مخاوف الأسر مع تكرار المشاهد المؤسفة داخل بعض المدارس، لتعود إلى الواجهة من جديد تساؤلات مشروعة حول توقيت بدء العام الدراسي، ومدى جاهزية المدارس لاستقبال الطلاب والمعلمين في ظل ارتفاع درجات الحرارة وصعوبة الأجواء خلال هذه الفترة.
ومما لا شك فيه أن كل شيء بقدر الله، لكن الله سبحانه وتعالى أمرنا بالأخذ بالأسباب، وهو ما يجعل من الضروري الوقوف أمام أي واقعة تمس سلامة أبنائنا ومعلميهم، ليس بهدف توجيه الاتهامات، وإنما بحثًا عن الأسباب ومنعًا لتكرار المأساة.
فبعد واقعة وفاة طفل داخل إحدى المدارس إثر تعرضه لهبوط حاد في الدورة الدموية، جاءت أنباء واقعة أخرى مؤلمة بوفاة معلمة بعد تعرضها لهبوط في الدورة الدموية، لتثير الحالتان حالة من القلق بين أولياء الأمور.
ومع التأكيد على أن تحديد الأسباب الطبية الدقيقة لمثل هذه الوفيات يظل من اختصاص الجهات الطبية والتحقيقات الرسمية، فإن تزامن هذه الوقائع مع ارتفاع درجات الحرارة يطرح تساؤلات لا يمكن تجاهلها حول مدى استعداد المدارس لمواجهة الظروف المناخية الصعبة.
هل كان التبكير ببدء الدراسة قرارًا مناسبًا؟
هنا يطرح الرأي العام سؤالًا مشروعًا: هل جرت دراسة جميع الآثار المحتملة لتبكير موعد بدء العام الدراسي، خصوصًا في ظل درجات الحرارة المرتفعة خلال هذه الفترة من العام؟
وهل خضعت المدارس، قبل استقبال الطلاب، لتقييم حقيقي لمدى كفاءة التهوية داخل الفصول، وتوافر مياه الشرب ووسائل الإسعافات الأولية والتعامل السريع مع حالات الإجهاد الحراري والهبوط، خاصة بالنسبة للأطفال وأصحاب الأمراض المزمنة؟
إن تطبيق تجربة أو قرار معمول به في دولة أخرى لا يعني بالضرورة نجاحه بالنتائج نفسها في مصر. فلكل دولة طبيعتها الجغرافية والمناخية، وما قد يكون توقيتًا مناسبًا لبدء الدراسة في بعض الدول الأوروبية ذات المناخ المختلف قد لا يكون بالضرورة الأنسب في ظل درجات حرارة مرتفعة.
ومن هنا، فإن تقييم موعد بدء العام الدراسي ينبغي ألا يعتمد فقط على عدد أيام الدراسة والخريطة الزمنية للمناهج، بل يجب أن يضع صحة الطالب والمعلم وسلامتهما في مقدمة معايير اتخاذ القرار.
مطالب أولياء الأمور لم تكن هروبًا من الدراسة
لقد ناشد عدد من أولياء الأمور، وكنت أحدهم، ببحث إمكانية تأجيل بدء الدراسة أسبوعًا واحدًا أو أكثر حتى تستقر الأحوال الجوية وتنخفض درجات الحرارة، خاصة حفاظًا على الأطفال الأكثر تأثرًا بالطقس وأصحاب الأمراض المزمنة.
ولم تكن تلك المطالب دعوة إلى الهروب من الدراسة أو عدم الانضباط.
وأذكر هنا مثالًا شخصيًا: فرغم أن ابنتي لم يكن قد مر سوى يوم واحد على فك الجبس إثر حادث تعرضت له، أصررت على ذهابها إلى المدرسة والانتظام في الدراسة، إيمانًا مني بأهمية غرس قيمة الالتزام والانضباط وحب التعليم في نفوس أبنائنا.
إذن، اعتراضنا لم يكن على الدراسة أو الحضور، وإنما على توقيت البداية ومدى ملاءمته للظروف المناخية، ومدى جاهزية المدارس لحماية الطلاب والمعلمين.
سلامة الطالب قبل كل شيء
نحن مع انتظام العملية التعليمية، ومع الانضباط والحضور، لكن ذلك يجب أن يصاحبه وضع معايير واضحة وملزمة للسلامة داخل المدارس.
يجب التأكد قبل وأثناء الدراسة من كفاءة تهوية الفصول، وعدم زيادة كثافة الطلاب بصورة تعوق التهوية، وتوفير مياه الشرب، وتجهيز الإسعافات الأولية، وتدريب المسؤولين على التعامل مع حالات الإجهاد الحراري والإغماء والهبوط المفاجئ، مع وجود آلية واضحة للتعامل مع الأيام التي تشهد ارتفاعًا استثنائيًا في درجات الحرارة.
كما يجب أن يكون هناك اهتمام خاص بالطلاب الذين يعانون أمراضًا مزمنة أو ظروفًا صحية تجعلهم أكثر عرضة لمضاعفات الطقس الحار.
الحوار المجتمعي ضرورة وليس رفاهية
المطلوب من الجهات المسؤولة عن التعليم ليس فقط إصدار القرارات، وإنما الاستماع كذلك إلى الطلاب والمعلمين وأولياء الأمور، لأنهم الأطراف الأكثر احتكاكًا بالواقع اليومي داخل المدارس.
والحوار المجتمعي قبل اتخاذ القرارات المهمة لا ينتقص من سلطة المسؤول، بل يدعم القرار ويجعله أكثر واقعية وقابلية للتطبيق.
فأي قرار تعليمي ناجح يجب أن يوازن بين انتظام الدراسة، واستكمال المناهج، وتحقيق الانضباط، وبين حق الطالب والمعلم في بيئة تعليمية آمنة.
إن الأرواح لا تحتمل التجربة والخطأ، ولذلك فإن أي واقعة مؤلمة يجب أن تكون دافعًا للمراجعة والتحقيق والتطوير، لا مناسبة لإلقاء الاتهامات قبل ظهور الحقائق.
وفي النهاية، نأمل من مسؤولي التعليم دراسة آثار القرارات بعناية قبل تطبيقها، والاستماع بصورة أكبر إلى أولياء الأمور والمعلمين، ووضع سلامة أبنائنا في مقدمة الأولويات، مع مراجعة جاهزية المدارس لمواجهة موجات الحرارة والظروف المناخية الاستثنائية.
فالعملية التعليمية لا تكتمل بمجرد فتح أبواب المدارس وبدء الحصص، وإنما تكتمل عندما نضمن أن أبناءنا ومعلميهم يدخلون المدرسة في بيئة تحفظ حقهم في التعليم وحقهم في السلامة معًا.
رحم الله من فقدناهم، وحفظ الله أبناءنا الطلاب ومعلميهم وجميع القائمين على العملية التعليمية من كل سوء، ووفق المسؤولين إلى ما فيه الخير والأمان لأبنائنا ومستقبل تعليمهم.



