أقلام حره

د مروى حافظ تكتب: فلسفة النفس البشرية: رحلة الإنسان إلى أعماقه

منذ أن بدأ الإنسان يسأل: من أنا؟ و لماذا أشعر؟ و لماذا أفكر بهذه الطريقه؟ و لماذا أتصرف أحيانا بما لا أفهمه. حتى أنا بدأت رحله طويله لفهم النفس البشريه.
النفس ليست مجرد مجموعه من الأفكار والمشاعر و السلوكيات، بل هي عالم عميق تتداخل فيه الخبرات، و الاحتياجات، و الذكريات، والمخاوف، و القيم، و الطموحات. لذلك فإن فهم الإنسان لنفسه ربما يكون من أصعب و أهم أنواع المعرفه. النفس البشريه بين الظاهر والباطن:
ما نراه من الإنسان هو السلوك، لكن السلوك ليس دائما الحقيقه الكامله قد يبدو شخص ما قويا بينما يعيش داخله خوفا عميقا، وقد يبدو آخر غاضبا بينما يخفي وراء غضبه جرحا أو احتياجا لم يُشبَع. وقد يبدو شخص شديد اللامبالاه، بينما يكون في الحقيقه قد تعب من كثرة الخذلان.
و لهذا فإن فلسفة النفس البشريه تبدأ من سؤال مهم:
هل الإنسان هو ما يفعله، أم أن وراء ما يفعله قصه لا نراها؟
إن الحكم على الإنسان من سلوكه فقط يشبه قراءة صفحه واحه من كتاب طويل ثم الاعتقاد أننا فهمنا القصه كلها.
الإنسان لا يولد من فراغ
كل إنسان يحمل داخله تاريخا
طفولته، علاقاته الأولى، طريقة تعامل والديه معه، تجاربه في الحب والفقد والنجاح و الفشل، الكلمات التي سمعها عن نفسه، و المواقف التي جعلته يشعر بأنه مهم أو غير مهم كل ذلك يترك أثرًا في بناء شخصيته.
لكن الماضي لا يعني أن الإنسان محكوم به إلى الأبد. و هنا تظهر واحده من أعظم أفكار فلسفة النفس: نحن نتأثر بما حدث لنا، لكننا لسنا مضطرين لأن نبقى أسرى له فقد لا نستطيع تغيير الماضي، لكن يمكننا أن نغير الطريقه التي نفهم بها الماضي، و الطريقه التي نعيش بها الحاضر، و الاختيارات التي نصنع بها المستقبل بين الحاجه و الاختيار
فكثير من السلوك الإنساني تحركه احتياجات عميقه مثل الحاجه إلى الحب، الأمان، التقدير، الانتماء، الحرية، النجاح، و الشعور بالقيمه.
أحيانا لا يبحث الإنسان عن الشيء الذي يريده يالفعل، بل عن الشعور الذي يعتقد أن هذا الشيء سيمنحه إياه. قد يلاحق المال لأنه يريد الأمان، أو يبحث عن الشهره لأنه يريد التقدير، أو يتمسك بعلاقه مؤذيه لأنه يخشى الوحده، أو يسعى إلى الكمال لأنه يخاف ألا يكون جديرا بالحب.
و من هنا فإن فهم السلوك يحتاج إلى ما هو أعمق من سؤال: ماذا يفعل الإنسان؟ بل علينا أن نسأل:
ما الذي يحاول الإنسان الحصول عليه أو الهروب منه من خلال هذا السلوك؟
النفس بين العقل والقلب:
الإنسان ليس عقلا فقط، و ليس مشاعر فقط.
العقل يحاول أن يفهم و يحلل و يخطط، بينما المشاعر تخبرنا بما يهمنا وما يؤلمنا وما نحتاج إليه. المشكلة لا تحدث لأن لدينا مشاعر، بل عندما نعطي المشاعر وحدها حق قياده حياتنا، أو عندما نحاول إلغاء مشاعرنا تماما بإسم العقل و المنطق.
النضج النفسي لا يعني أن نتوقف عن الشعور، بل أن نفهم مشاعرنا دون أن نصبح عبيدا لها، أن أشعر بالغضب لا يعني أن أؤذي، أن أشعر بالخوف لا يعني أن أهرب دائما، أن أشعر بالحزن لا يعني أنني ضعيف.
المشاعر رسائل، لكنها ليست دائما أوامر.
الحريه النفسيه:
من أعمق الأسئله الفلسفية: هل الإنسان حر فعلًا؟
قد لا يكون الإنسان قادر على اختيار كل ما يحدث له، لكنه يستطيع بدرجات متفاوتة أن يختار موقفه تجاه ما يحدث.
لا نختار دائما الأشخاص الذين يدخلون حياتنا، و لا الأحداث التي تصيبنا، و لا الخسارات التي نمر بها، لكننا نملك مساحه من الاختيار في الطريقه التي نستجيب بها.
هنا تبدأ الحريه النفسيه فالحرية ليست أن أفعل كل ما أريد، إنما أن أصبح قادر على اختيار ما أفعله بوعي، بدلًا من أن تقودني مخاوفي القديمه أو احتياجاتي غير الواعيه.
لماذا نهرب من أنفسنا؟
ربما لأن مواجهة الذات ليست سهله،فمن السهل أن ننشغل بالآخرين، بالعمل، بالعلاقات، بالهاتف، بالضوضاء، و بكل شيء يجعلنا لا نضطر إلى الجلوس مع أنفسنا. لكن الإنسان عندما يهدأ، قد يسمع أسئله حاول طويلًا أن يتجنبها:
هل أنا سعيد فعلًا؟
هل هذه حياتي التي أريدها؟
هل أعيش وفق اختياراتي أم وفق توقعات الآخرين؟
هل أحب نفسي أم أبحث طوال الوقت عن شخص آخر ليؤكد لي أنني أستحق الحب؟
ولهذا فإن معرفة النفس تحتاج إلى شجاعه، لأنك قد تكتشف أشياء لم تكن تريد رؤيتها، تكتشف قوه لم تكن تعرف أنها بداخلك.
التصالح مع الذات:
التصالح مع النفس لا يعني أن نحب كل شيء في أنفسنا، و لا أن نتوقف عن التطور. بل يعني أن نستطيع أن نقول هذه أنا بكل ما في من قوه و ضعف، نجاحات و إخفاقات، أخطاء و تجارب وأنا أستطيع أن أتطور دون أن أكره نفسي.
الفرق بين تطوير الذات و رفض الذات:
الأول يقول:
“أريد أن أصبح أفضل.”
أما الثاني فيقول:
“أنا لست جيدًا بما يكفي.” الفرق بينهما هو الفرق بين النمو الذي تقوده المحبه، والتغيير الذي تقودها الكراهيه.
الإنسان مشروع لم يكتمل:
ربما أجمل ما في النفس البشريه أنها ليست ثابته
فالإنسان يستطيع أن يتعلم، ينضج، و يعيد اكتشاف نفسه، يغير معتقداته، و يضع حدودًا جديده، ويبدأ من جديد.
قد يكون الإنسان في العشرين شخصًا، وفي الأربعين شخصًا آخر، وفي الخمسين أكثر فهمًا لذاته.
وهذا لا يعني أنه كان مزيفا في الماضي، بل يعني أنه كان ينمو.
فالإنسان ليس تمثالًا مكتملًا، وإنما رحله مستمره من التشكل.
و في النهايه
فلسفة النفس البشريه ليست محاوله للعثور على إجابه واحده لسؤال: “من أنا؟”
بل هي رحله مستمره لاكتشاف:
لماذا أشعر؟
لماذا أتصرف؟
ماذا أحتاج؟
ما الذي أخاف منه؟
ما الذي أؤمن به؟
وما الحياه التي أريد أن أعيشها؟
وربما أعظم نضج يمكن أن يصل إليه الإنسان هو أن يتوقف عن محاولة إثبات نفسه للآخرين، ويبدأ في فهم نفسه بصدق.
لأن الإنسان قد يقضي سنوات طويله في دراسة العالم من حوله، ثم يكتشف في النهايه أن أعمق عالم كان يحتاج إلى معرفته هو العالم الذي بداخله.
فهم النفس ليس رفاهي إنه بداية فهم الحياه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock