أقلام حره

نهال الشافعي تكتب : عصر الإنسان المُنهك.. لماذا أصبحنا متعبين حتى ونحن لا نفعل شيئًا؟

 

بقلم / د.نهال الشافعي
باحثة في العلوم السياسية والاستراتيجية

ليس كل تعب يحتاج إلى نوم. هناك نوع آخر من الإرهاق لا تنجح معه ساعات الراحة، ولا تكفيه عطلة قصيرة، لأنه لا يسكن الجسد وحده، بل يتسلل إلى العقل ويستقر في مكان أعمق، حيث تتراكم المسؤوليات والمخاوف والأسئلة التي لا تجد وقتًا كافيًا للإجابة عنها. وربما لهذا أصبحنا نسمع كثيرًا هذه الأيام جملة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تختصر حال كثير من الناس: «أنا تعبان.. ومش عارف من إيه».

الحقيقة أن الإنسان اليوم يعيش في زمن سريع إلى درجة أنه لم يعد يملك دائمًا فرصة ليلتقط أنفاسه. نستيقظ على عالم يتحرك قبل أن نبدأ يومنا، وننام وعقولنا لا تزال تراجع ما حدث وما لم يحدث وما قد يحدث غدًا. وبين الاستيقاظ والنوم، تتوالى الأخبار والرسائل والالتزامات والمواعيد والمشكلات، حتى أصبح من الصعب أحيانًا أن نعرف أين ينتهي يومنا وأين تبدأ ضغوط اليوم التالي.

فالإنسان لا يعيش بمعزل عن التحولات الكبرى التي يشهدها العالم؛ فكل تغير في التكنولوجيا، والإعلام، وطريقة تداول المعلومات، يترك أثره في طريقة تفكيرنا وعلاقاتنا وحتى في قدرتنا على اتخاذ القرار. وما يبدو في ظاهره مجرد تطور تقني أو تغير في أسلوب الحياة، قد يتحول مع الوقت إلى تغيير عميق في سلوك الإنسان، وفي الطريقة التي ينظر بها إلى نفسه وإلى العالم من حوله.

لم تعد الحياة تمنحنا فرصة كافية لكي نلحق بها. كلما أنجزنا شيئًا ظهر أمامنا شيء آخر، وكلما ظننا أننا انتهينا من أزمة وجدنا أنفسنا أمام أزمة جديدة. نعمل ثم نعود إلى المنزل لنكتشف أن هناك ما لم ننجزه، نغلق الهاتف فنظل نفكر فيما قرأناه، ونحاول أن نرتاح فنشعر بالذنب لأن هناك أشياء أخرى تنتظرنا. حتى الراحة نفسها أصبحت في بعض الأحيان مصدرًا للقلق، لأننا اعتدنا أن نربط قيمتنا بما ننجزه، حتى أصبح الجلوس بلا عمل يبدو وكأنه تقصير.

وربما هنا تكمن إحدى المفارقات الغريبة في حياتنا المعاصرة؛ فكلما زادت الوسائل التي يفترض أن توفر لنا الوقت، شعرنا أن الوقت أصبح أقل. التكنولوجيا جعلت إنجاز كثير من الأمور أسرع وأسهل، لكنها في الوقت نفسه جعلت الوصول إلينا أسرع وأسهل. لم يعد العمل ينتهي دائمًا بانتهاء ساعات العمل، ولم تعد الأخبار تنتظر موعدًا محددًا، ولم يعد العالم يعرف معنى أن يترك الإنسان وحده لبعض الوقت. كل شيء متاح في اللحظة نفسها، وكل شيء يطلب جزءًا من انتباهنا.

وهكذا أصبحنا نعيش في حالة من الاستنفار المستمر، حتى عندما لا يكون هناك خطر واضح أمامنا. ننتظر خبرًا، أو اتصالًا، أو قرارًا، أو تطورًا جديدًا، وكأن علينا دائمًا أن نكون مستعدين لشيء ما. ومع مرور الوقت، يتحول هذا الاستعداد الدائم إلى إرهاق لا ننتبه إليه إلا عندما يبدأ العقل في رفض المزيد.

لكن المشكلة ليست أن الناس أصبحت أضعف، ولا أن قدرتها على التحمل تراجعت. على العكس، ربما أصبح الإنسان متعبًا لأنه يحاول أن يتحمل أكثر مما يستطيع. يريد أن يتابع كل شيء، ويفهم كل شيء، وينجز كل شيء، ويحافظ على عمله، ويطمئن على أسرته، ويؤمّن مستقبله، ويعرف ما يحدث في العالم، ويظل حاضرًا في حياة من حوله، وفي الوقت نفسه يحاول ألا يفشل وألا يتأخر وألا يبدو متعبًا.

وهذه معركة لا يمكن لأحد أن ينتصر فيها.

فالإنسان ليس آلة، والعقل لا يستطيع أن يعمل طوال الوقت بالطاقة نفسها، والقلب لا يمكنه أن يستقبل كل هذا الكم من القلق دون أن يدفع ثمنًا. وربما لهذا نحتاج اليوم إلى أن نعيد التفكير في معنى الراحة نفسها. فالراحة ليست دائمًا أن ننام أكثر، وإنما أن نتوقف أحيانًا عن حمل ما يتجاوز قدرتنا.

أن ندرك أن هناك مشكلة يمكننا حلها، وأخرى يمكننا التأثير فيها، وثالثة لا نملك أمامها سوى أن نتقبل وجودها ونواصل حياتنا. هذه التفرقة البسيطة قد تبدو عادية، لكنها في الحقيقة واحدة من أهم المهارات التي يحتاجها الإنسان في زمننا؛ لأننا كثيرًا ما ننفق طاقتنا بالطريقة نفسها على أشياء مختلفة تمامًا. نقلق بشأن أمر نستطيع أن نتصرف فيه بدلًا من أن نتصرف، ونستهلك ساعات في التفكير في شيء لا نملك تغييره، ونمنح أشخاصًا أو مواقف لا تستحق أكثر من دقائق من اهتمامنا مساحة كبيرة من يومنا.

نحن لا نتعب فقط من كثرة المشكلات، بل نتعب أيضًا من عدم قدرتنا على التمييز بينها.

هناك ما يحتاج إلى قرار، وهناك ما يحتاج إلى صبر، وهناك ما يحتاج إلى أن نتركه يمر.

وهذه ربما هي النقطة التي يمكن أن نبدأ منها في استعادة شيء من توازننا. ليس بأن نطلب من الحياة أن تصبح أسهل، فهذا أمر لا نملكه، وإنما بأن نتعلم كيف نتعامل معها دون أن نسمح لكل ما يحدث حولنا بأن يسكن داخلنا.

فليس كل خبر يستحق أن نحمله معنا إلى نهاية اليوم، وليس كل نقاش يستحق أن ندخله، وليس كل مشكلة تقع أمام أعيننا أصبحت مسؤوليتنا، وليس كل ما نراه على شاشات الهواتف جزءًا من حياتنا الحقيقية. أحيانًا نحتاج فقط إلى أن نسأل أنفسنا قبل أن نمنح أي شيء وقتنا وطاقتنا: هل أستطيع أن أغير هذا؟ هل أستطيع أن أؤثر فيه؟ أم أنني فقط أستهلك نفسي في التفكير فيه؟

إذا كان في استطاعتنا أن نفعل شيئًا، فلنفعل ما نستطيع بدلًا من الاستسلام للقلق. وإذا كان بإمكاننا التأثير ولو بخطوة صغيرة، فلنخط هذه الخطوة ثم نترك للنتائج مساحتها. أما إذا كان الأمر خارج قدرتنا تمامًا، فعلينا أن نتعلم أصعب مهارة في هذا العصر: أن نتركه حيث هو، وألا نحوله إلى عبء نحمله معنا كل يوم.

هذه ليست دعوة إلى الاستسلام، بل إلى ترشيد الطاقة الإنسانية. فالإنسان الذي يستهلك كل قوته في القلق لن يجد ما يكفيه للفعل، والذي يظل مشغولًا بكل شيء لن يستطيع أن يعطي شيئًا واحدًا حقه. ولهذا ربما لا يكون السؤال الأهم الذي نحتاج إلى طرحه كل صباح هو: «ماذا يجب أن أنجز اليوم؟»، وإنما: «ما الشيء الذي يستحق طاقتي اليوم؟».

قد يكون عملًا مهمًا، أو قرارًا مؤجلًا، أو شخصًا يحتاج إلى وجودنا، وقد يكون في بعض الأيام أنفسنا.

نعم، أنفسنا.

لأن هناك أيامًا لا يكون الإنجاز الحقيقي فيها أن نفعل المزيد، وإنما أن نحافظ على قدرتنا على الاستمرار. هناك أيام يكون فيها النجاح أن نمر من اليوم بأقل قدر ممكن من الخسائر النفسية، وأن نصل إلى الغد ونحن لا نزال نملك الطاقة التي تمكننا من البدء من جديد.

وربما من أكثر الأشياء التي أنهكت الإنسان دون أن ينتبه، أنه فقد حقه في ألا يكون متاحًا طوال الوقت. أصبح مطلوبًا منه أن يرد سريعًا، وأن يتابع باستمرار، وأن يعرف ما يحدث لحظة بلحظة، حتى تحول عدم الرد أحيانًا إلى تهمة، والصمت إلى علامة استفهام، والابتعاد قليلًا عن الهاتف إلى شعور بالذنب. كأن العالم أقنعنا بأن وجودنا الحقيقي لا يكتمل إلا إذا كنا متاحين دائمًا.

لكن الحقيقة أن الإنسان يحتاج، مثلما يحتاج إلى النوم، إلى مساحات لا يكون فيها مطلوبًا منه شيء. يحتاج إلى وقت لا يجيب فيه، ولا يشرح، ولا يتابع، ولا يبرر. يحتاج إلى أن يختفي قليلًا من ضجيج العالم حتى يعود إلى نفسه. وربما لا يكون الابتعاد عن كل شيء هروبًا من الحياة، بل أحيانًا هو الطريقة الوحيدة التي نعود بها إليها ونحن أكثر قدرة على احتمالها.

ولا ينبغي أن يتحول الحديث عن الإرهاق إلى لوم للناس. فهناك من يعيش بالفعل تحت ضغوط اقتصادية واجتماعية قاسية، وهناك من يكافح من أجل أبسط احتياجاته، وهناك من يحمل مسؤوليات أكبر من طاقته، وهناك من يخوض معارك لا يراها أحد. لذلك ليس من العدل أن نقول للإنسان المتعب ببساطة: «نظم وقتك» أو «فكر بإيجابية». بعض التعب سببه الحياة نفسها، وبعض الأعباء لا يمكن تجاهلها بكلمات جميلة.

لكن حتى في أصعب الظروف، يبقى هناك شيء صغير يمكن للإنسان أن يستعيده: حقه في ألا يجعل كل ما يحدث حوله يستهلكه من الداخل.

أن يختار ما يستحق أن يعرفه، وما يستحق أن يتابعه، وما يستحق أن يرد عليه، وما يمكن أن يؤجله. أن يفهم أن وضع حدود لما يستنزفه ليس أنانية، وأن قول «ليس الآن» ليس تقصيرًا، وأن الاعتراف بالتعب ليس ضعفًا.

فربما نحن في حاجة اليوم إلى أن نتوقف عن التعامل مع الإنسان وكأنه مشروع لا ينتهي من الإنجاز. لسنا مطالبين بأن نكون في أفضل حالاتنا طوال الوقت، ولا أن ننتج طوال الوقت، ولا أن نبدو بخير طوال الوقت. نحن بشر، ومن الطبيعي أن نتعب، وأن نتوقف، وأن نعيد ترتيب أولوياتنا، وأن نبدأ من جديد.

والحياة، مهما بدت سريعة، لا تستحق أن نعيشها ونحن نركض طوال الوقت خلفها.

ربما لا نستطيع أن نبطئ العالم، ولا أن نوقف الأخبار، ولا أن نمنع المستقبل من أن يأتي بما يحمله من مفاجآت. لكننا نستطيع أن نقرر شيئًا مهمًا: ألا نحمل كل شيء.

أن نفعل ما نستطيع، ونترك ما لا نستطيع، وأن نعرف الفرق بين الاثنين.

فليست القوة أن تتحمل إلى ما لا نهاية، وإنما أن تعرف متى تتحمل، ومتى تتحرك، ومتى تنتظر، ومتى تضع الشيء جانبًا وتكمل طريقك.

وربما يكون هذا هو الدرس الذي نحتاج إليه أكثر من أي وقت مضى: ليس مطلوبًا منك أن تحمل العالم كله على كتفيك حتى تثبت أنك قوي.

خذ من يومك ما تستطيع، وافعل ما تستطيع، واحتفظ بما تبقى من طاقتك للأشياء التي تحبها وللأشخاص الذين يعنيهم وجودك، وللحياة التي لا ينبغي أن نكتشف في نهايتها أننا كنا مشغولين طوال الوقت عن عيشها.

فليس كل ما يطلب انتباهنا يستحقه، وليس كل ما يخيفنا يستحق أن نخاف منه، وليس كل ما فاتنا كان يجب أن نلحق به.

وأحيانًا، وسط عالم يركض بلا توقف، قد يكون أكبر انتصار نحققه لأنفسنا أن نتوقف قليلًا، نلتقط أنفاسنا، وننظر إلى الطريق من جديد.

ثم نقول لأنفسنا، دون شعور بالذنب:

لقد فعلت اليوم ما استطعت.. وهذا يكفي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock