أقلام حره

مدحت الحلفاوي يكتب: عمرو نبيل الزمر.. حين تصبح المسؤولية حكاية

في صباح لم يكن يختلف كثيرا عن غيره خرج رجل بسيط من بيته وهو يحمل في صدره ألما أثقل من خطواته. كان المرض قد سبقه إلى جسده وضيق الحال سبقه إلى جيبه. لم يكن يبحث عن معجزة. كان يبحث فقط عن باب لا يغلق في وجهه.
على الجانب الآخر كانت الحياة تمضي كعادتها. أطفال يذهبون إلى مدارسهم. وأمهات يسرعن إلى قضاء احتياجات بيوتهن. وشوارع تعرف وجوه أهلها كما يعرفونها. لكن أحدا لم يكن يعلم أن هناك حكايات صغيرة تكتب كل يوم بعيدا عن عدسات التصوير وعناوين الأخبار.
حين تولى عمرو نبيل الزمر مسؤولية أمانة حزب الجبهة الوطنية بمركز كرداسة قبل عام لم يكن أمامه طريق سهل. فالناس لا تنتظر الكلمات بقدر ما تنتظر من يصدقها بالفعل. وكان يعلم أن المسؤولية لا تعني الجلوس خلف مكتب. بل النزول إلى الشارع حيث الوجع الحقيقي وحيث تبدأ الحكايات.
ولذلك لم تكن القوافل الطبية مجرد نشاط يضاف إلى سجل العمل. كانت بالنسبة لكثير من الأسر نافذة أمل وطوق نجاة. وقد كنت شاهدا بنفسي على مشاهد لا تنسى. رأيت رجلا خرج وهو يردد الحمد لله بعدما حصل على علاج لم يكن يملك ثمنه. ورأيت أما أمسكت بيد طفلها وهي تدعو لكل من ساهم في تخفيف ألمه. تلك الدعوات الصادقة لا تلتقطها الكاميرات لكنها تبقى شاهدة عند الله وعند الناس.
ولأن المرض ليس وحده ما يرهق الإنسان امتدت اليد إلى معركة أخرى لا تقل أهمية. معركة الجهل. فجاءت فاعليات محو الأمية لتعيد الأمل لمن ظن أن العمر قد فاته وأن القراءة أصبحت حلما بعيدا. فكان الحرف هناك بداية كرامة جديدة.
ثم جاءت مبادرات تحطيم الأسعار. لم تكن مجرد منافذ لبيع السلع. كانت رسالة تقول إن الوقوف إلى جوار المواطن وقت الشدة واجب لا منة فيه. وكم من أسرة عادت إلى بيتها تحمل احتياجاتها وقد خف عنها عبء كانت تظنه فوق طاقتها.
ولم تغب المرأة المصرية عن هذا المشهد. كانت فاعليات التوعية تؤكد أن بناء المجتمع يبدأ من وعي الأم التي تربي والأخت التي تصبر والزوجة التي تحمل فوق كتفيها أعباء بيت كامل. فالاستثمار الحقيقي يبدأ دائما ببناء الإنسان.
أما الطلاب فكان لهم نصيب مختلف. لم يكن التكريم مجرد شهادة تعلق على الحائط. بل رسالة تقدير لكل مجتهد تقول له إن تعبك لم يذهب سدى. والأجمل من ذلك تلك اللقاءات التي خصصت لطلاب المرحلتين الابتدائية والإعدادية لشرح المناهج وتبسيط ما يصعب عليهم. كانت مبادرة تؤكد أن العلم لا يقل أهمية عن أي خدمة أخرى تقدم للمجتمع.
وكان للمحبة أيضا حضورها. فحين زار الكنائس في أعيادها لم تكن الزيارة بروتوكولا عابرا. بل كانت رسالة صادقة تؤكد أن مصر ستظل وطنا يجمع أبناءه بالمحبة والاحترام وأن وحدتها هي سر قوتها في كل زمان.
ورغم كل ما أعلن عنه بقيت أعمال كثيرة لم يعرفها إلا أصحابها. أياد امتدت في صمت. ومساعدات خرجت دون ضجيج. وخير اختار أصحابه أن يبقى بين الأرض والسماء. وربما كان هذا هو أجمل ما في العطاء. أن يحدث دون انتظار ثناء.
عام مضى منذ حمل عمرو نبيل الزمر هذه المسؤولية. لكنه لم يكن عاما يقاس بعدد الأيام. بل بعدد القلوب التي شعرت أن هناك من يسمعها. وعدد الأيدي التي امتدت إليها في وقت كانت فيه الحاجة أكبر من الكلام.
فالمناصب تزول. والصور تبهت. أما الأثر الطيب فيبقى. وتلك هي الحكاية التي تستحق أن تروى.
وفي الختام لا أكتب هذه الكلمات من وراء مسافة. فقد جمعتني بعمرو نبيل الزمر مواقف وحوارات كثيرة جعلتني أعرف الإنسان قبل أن أعرف المسؤول. وربما لهذا جاءت شهادتي نابعة مما رأيته وعشته لا مما سمعته.
وأقولها بكل محبة إن داخله روح أديب وقارئ جيد. يعرف قيمة الكلمة ويحترم الفكر ويجيد الإنصات قبل أن يتحدث. وكثيرا ما أستأنس برأيه في بعض مقالاتي فأجد لديه ملاحظات تنم عن ذائقة قارئ حقيقي لا يجامل ولا يقول إلا ما يقتنع به.
ولعل ما لا يعرفه كثيرون أن علاقتي به تجاوزت حدود المعرفة إلى علاقة أعتبره فيها واحدا من أبنائي الذين أعتز بهم. ولذلك فإن شهادتي له ليست شهادة مجاملة. بل شهادة محبة ممزوجة بالمعرفة والقرب. وأسأل الله أن يوفقه وأن يجعل كل ما يقدمه في ميزان حسناته وأن يديم على مصر رجالا يجعلون خدمة الناس شرفا قبل أن تكون مسؤولية.
ويبقى الإنسان في النهاية بما يزرعه في قلوب الناس. أما المناصب فتمضي كما تمضي الأعوام.
نسأل الله أن يحفظ مصر وأن يبارك في قيادتها وجيشها وشرطتها وأن يديم عليها نعمة الأمن والاستقرار. وأن يجعل هذا الوطن دائما أرضا للعزة والعمل والمحبة وأن يوفق كل من يخلص في خدمته ابتغاء وجه الله وخير الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock