أخبار مصر

د صفاابوالعزم تكتب؛جيل بلا ارتجاف: كيف صُنعت اللامبالاة حين صار الموت مشهدًا عابرًا

 

الضحك في موضع الفاجعة ليس خللًا لحظيًا في السلوك، بل إعلان صريح عن انهيار منظومة كاملة من القيم والانفعالات. حين يقف فاعل الكارثة بوجه ضاحك، ولسان مستفز، أمام جثمان إنسان قُتل بلا ذنب، فنحن لا نرى “حادثًا فرديًا”، بل نرى النتيجة النهائية لمسار طويل من الإهمال النفسي والتربوي والاجتماعي.

هذه اللامبالاة ليست فراغًا شعوريًا، بل تشوهًا في البنية الانفعالية. مشاعر التعاطف، الذنب، والخوف الأخلاقي لا تختفي فجأة، بل تُستنزف تدريجيًا حتى تفقد قدرتها على العمل.

الدماغ في مراحل التكوين المبكرة يكون شديد الحساسية للمكافأة والإثارة، بينما آليات الكبح الأخلاقي لم تكتمل بعد. لكن الخطورة الحقيقية لا تكمن في هذا التكوين البيولوجي وحده، بل في البيئة التي غذّت الاندفاع ولم تزرع الضمير. حين يُمنح الصغير سلطة تفوق نضجه، دون حدود واضحة أو محاسبة متدرجة، يتحول الإحساس بالقوة إلى شعور زائف بالتفوق، ويصبح الآخر مجرد تفصيل يمكن دهسه.

الضحك بعد الكارثة ليس دليل شجاعة ولا قسوة فطرية، بل استجابة دفاعية منحرفة. هو انفصال نفسي عن الفعل، وإنكار للواقع، ومحاولة يائسة للسيطرة على موقف يفوق القدرة على الاستيعاب. ومع التكرار، يتحول هذا الدفاع إلى نمط ثابت: تبلد وجداني، وسخرية من الألم، واستهانة كاملة بقيمة الحياة.

ما يحدث هو نتاج مباشر لتربية نزعت الحدود باسم الحرية. جيل تُرك ليجرّب كل شيء دون توجيه، قيل له إن المنع قمع، وإن العقاب أذى، وإن الصرامة كسر للنفس. لكن الحقيقة النفسية تقول إن الحدود هي ما يصنع الأمان الداخلي، وغيابها يخلق فوضى شعورية تجعل الفرد عاجزًا عن التمييز بين الخطأ والخطيئة.

زاد الطين بلّة عالم رقمي ضخّ العنف بلا سياق إنساني. مشاهد موت متكررة، ألعاب تكافئ الإيذاء، أخبار تُستهلك بلا حزن أو تأمل. هكذا تآكلت حساسية المشاعر، وتحوّل الألم الإنساني إلى صورة عابرة، والموت إلى رقم جديد في شريط الأخبار.

الأخطر من ذلك هو الفشل الذريع في التربية العاطفية. لم يُعلَّم هذا الجيل كيف يتعرف على مشاعره، كيف يحتوي غضبه، كيف يشعر بثقل الفعل على الآخر. كبر بمهارات تقنية عالية، وذكاء سريع، لكنه فقير وجدانيًا، عاجز عن الإحساس بما هو خارج ذاته.

ثم تأتي القدوة الاجتماعية لتُكمل المشهد. حين يرى الناشئ مستهترين بلا حساب، وضحايا بلا إنصاف، وجرائم تُنسى سريعًا، يتشكل داخله يقين صامت بأن الحياة بلا قيمة حقيقية، وأن القوة وحدها هي اللغة المفهومة.

السخرية والاستفزاز في لحظة الجريمة ليست عبثًا. إنها رسالة تحدٍّ للمجتمع، واحتقار للقانون، وتفريغ لغضب مكبوت لم يجد يومًا من يسمعه أو يحتويه أو يضبطه. هي الوجه الآخر لطفولة لم تُحتضن بوعي، ولم تُقوَّم بحزم.

نحن أمام جيل لم يتعلم كيف يشعر، ولم يُدرَّب على تحمّل المسؤولية، ولم يُواجَه بعواقب واضحة لأفعاله. لذلك لا يكفي الغضب، ولا تنفع الإدانة السطحية. المطلوب إعادة بناء جذرية لمعنى التربية، والحدود، والمحاسبة، والتعليم العاطفي، والعدالة الواضحة التي لا تميّز بين أحد.

الخطر الحقيقي ليس في ضحكة واحدة بعد كارثة، بل في مجتمع يبدأ في تقبّل هذا المشهد دون صدمة. حينها لا تكون المشكلة في الجاني وحده، بل فينا جميعًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock