
حين عرفنا القائد باسم مستعار
بقلم / اجلال الملاح
الوطن ليس شعارا يقال ولا كلمات تكتب بل هو وعي يعيش في تفاصيلنا اليومية يظهر في المواقف قبل العبارات ويقاس بصدق الانتماء لا بكثرة الحديث عنه.
وحين يكون الإنسان صادقا في حبه لوطنه فإن أثره لا يمر مرور الكلمات بل يظل حاضرا في الذاكرة مهما مر الزمن.
ومن هذا المعنى تبدأ حكايتي مع تجربة عشتها عن قرب مع شخصية كان حضورها مرتبطا دائما بروح المسؤولية وحب الوطن قبل أي شيء آخر.
أعود بذاكرتي إلى عام 2019 حين كانت الأحداث تتسارع من حولنا وكانت الساحة تموج بالكثير من الآراء والمواقف.
في تلك الأيام تأسس جروب وطني جمع عددا كبيرا من المحبين لوطنهم والراغبين في أن يكون لهم دور ولو بالكلمة الصادقة.
كان صاحب الفكرة ومؤسس الجروب شخصية مميزة فرضت احترامها على الجميع منذ اللحظة الأولى.
لم يكن كثير الحديث ولم يكن ممن يطيلون الكلام أو يسعون للظهور.
لكن حين يتحدث كانت كلماته تصل مباشرة إلى القلوب والعقول.
كان الجميع يعرفه باسم مستعار. أما اسمه الحقيقي فلم يكن معروفا لمعظم الأعضاء. وربما لهذا السبب كانت شخصيته أكثر حضورا من اسمه. فقد كانت الأفعال تسبق التعريفات وكانت المواقف أبلغ من الأسماء.
كنت من القلائل الذين عرفوا هويته الحقيقية. وكنت أتابع عن قرب حجم الجهد الذي يبذله من أجل نجاح الجروب واستمرار رسالته. كانت هناك ليال طويلة لا تنتهي إلا مع اقتراب الفجر. نتابع الأحداث ونراجع ما ينشر ونتبادل الرأي حول كل ما يخص الوطن.
ورغم كل ذلك لم يكن يتعامل معنا بمنطق المدير أو المؤسس الذي يبحث عن سلطة أو مكانة. بل كان يتعامل بروح الإنسان الذي يحمل هم بلده فوق كتفيه. كان حريصا على كل كلمة تنشر وعلى كل معلومة تصل إلى الناس. وكان دائم التأكيد على تحري الحقيقة وعدم الانسياق وراء الشائعات.
أتذكر جيدا طريقته في الحديث. لم يكن يكثر من الشرح. كانت عباراته قصيرة وواضحة وحاسمة. أحيانا تأتي بصيغة الأمر لكننا كنا ندرك أنها لم تكن أوامر بقدر ما كانت نداءات صادقة من قلب عاشق لتراب وطنه. كان حريصا على مصر بصورة يصعب وصفها. يخاف عليها ويغضب من أجلها ويفرح لكل ما يرفع شأنها.
كنا نلمس في كلماته محبة خالصة وانتماء حقيقيا لا تشوبه مصلحة ولا رغبة في مكسب أو شهرة. ولهذا كان الجميع يلتفون حوله ويحترمون رؤيته ويثقون في صدق نواياه.
مرت السنوات وتغيرت أمور كثيرة. وانشغل كل منا بطريقه ومسؤولياته. لكن بقيت تلك المرحلة محفورة في الذاكرة بما حملته من صدق وإخلاص وعلاقات إنسانية جميلة.
ثم جاءت السنوات التالية لتكشف للكثيرين ما كنت أعرفه منذ البداية. فقد عرف الجميع أن صاحب ذلك الاسم المستعار هو الكاتب مدحت الحلفاوي.
وحين بدأت أقرأ ما يكتبه لم أشعر بأي دهشة. لأنني وجدت الإنسان نفسه الذي عرفته في تلك الأيام. وجدت الصدق ذاته والهدوء ذاته والحرص ذاته على أن تكون الكلمة ذات قيمة ومعنى.
الفرق الوحيد أن الوطن الذي كان يسكن منشوراته في تلك الأيام أصبح يسكن أيضا نصوصه وتأملاته وكتاباته الإنسانية. فبقي القلم وفيا لصاحبه وبقي صاحبه وفيا لما يؤمن به.
واليوم ونحن على أعتاب مناسبة عزيزة وهي بلوغ الأستاذ مدحت الحلفاوي عامه الستين أجد نفسي أستعيد كل تلك الذكريات الجميلة. وأشعر بالفخر لأنني كنت شاهدة على جزء من رحلة إنسان اختار أن يكون صادقا مع نفسه قبل أن يكون صادقا مع الآخرين.
ستون عاما ليست مجرد سنوات تمضي. بل هي رحلة مليئة بالتجارب والمواقف والدروس والذكريات. رحلة صنعت إنسانا ترك أثرا طيبا في نفوس كل من عرفوه واقتربوا منه.
وفي هذه المناسبة أتوجه إليه بكل المحبة والتقدير.
كل عام وأنت بخير أستاذ مدحت.
كل عام وأنت كما عرفناك صاحب كلمة نظيفة وموقف نبيل وقلب لا يعرف إلا الحب لوطنه وأهله وأصدقائه.
وتبقى الحقيقة أن بعض الأشخاص لا يقاس حضورهم بالسنوات بل بما يتركونه من أثر في الذاكرة. فهناك من يمر في حياتك كحدث عابر وهناك من يظل حاضرًا مهما غاب.
أسأل الله أن يبارك لك في عمرك وأن يمن عليك بالصحة والعافية وراحة البال. وأن يجعل ما بقي من عمرك أجمل مما مضى. وأن يرزقك السكينة والرضا والسعادة في كل أيامك القادمة. وأن يحفظ لك أحبابك ومحبيك وأن يديم عليك نعمة المحبة التي زرعتها في قلوب الكثيرين.
وكل عام وأنت بخير.



