
بين الانفتاح والانحدار الأخلاقي.. لماذا أصبحت بعض حفلات التخرج مصدر قلق مجتمعي؟
بقلم د/ دعاء الهلالى
في السنوات الأخيرة، تحولت حفلات التخرج في بعض الجامعات إلى ظاهرة تثير الجدل أكثر مما تبعث على الفخر. فبدلًا من أن تكون مناسبة علمية راقية تُتوَّج فيها سنوات الاجتهاد والتعب، أصبحت عند البعض ساحة للاستعراض المبالغ فيه، وتقليد أنماط دخيلة لا تمت لعاداتنا أو قيمنا بصلة، تحت شعار “الانفتاح” و”التحضر”.
مشاهد الرقص الصاخب، والملابس غير اللائقة، والتصرفات الخارجة عن روح المناسبة، أصبحت تتكرر بشكل يدعو للتساؤل:
هل أصبح الاحتفال بالنجاح مرتبطًا بالتحلل من القيم؟
وهل فقدت حفلات التخرج رسالتها الأساسية؟
للأسف، يظن البعض أن التقليد الأعمى للغرب دليل على الرقي، بينما الحقيقة أن الرقي الحقيقي يظهر في احترام الذات، والالتزام بالأخلاق، والحفاظ على هوية المجتمع. فالجامعة ليست مجرد مكان للحصول على شهادة، بل مؤسسة تصنع الوعي والقيم قبل أن تصنع الخريجين.
وعلى الجانب الآخر، نجد نماذج مشرّفة تؤكد أن الاحتفال الراقي لا يحتاج إلى تجاوز أو ابتذال، وعلى رأسها حفلات تخرج جامعة الأزهر التي تقدم صورة مشرفة للخريج المصري والعربي.
ففي حفلات الأزهر، يمتزج الفرح بالوقار، والاحتفال بالاحترام، وتظهر قيمة العلم في أبهى صورها. الطلاب والطالبات يحتفلون بإنجازهم وسط أجواء تملؤها الرصانة والالتزام، دون صخب مفتعل أو مشاهد تخدش الحياء العام.
هذه الحفلات تعكس رسالة الأزهر العريقة، المؤسسة التي حافظت عبر مئات السنين على مكانتها العلمية والأخلاقية، وقدمت نموذجًا يؤكد أن التمسك بالقيم لا يتعارض أبدًا مع الفرح أو النجاح، بل يمنحهما معنى أعمق وأكثر احترامًا.
إن المجتمع لا يحتاج إلى مزيد من المظاهر الفارغة، بل إلى أجيال تدرك أن الحرية لا تعني الانفلات، وأن الانفتاح الحقيقي يبدأ من الوعي والثقافة والاحترام. فليس كل ما يُقلَّد يستحق أن يُتبع، وليست كل صيحة جديدة دليلًا على التقدم.
ويبقى السؤال الأهم:
أي صورة نريد أن تعكسها جامعاتنا عن شبابنا؟
صورة طالب يحمل علمه وقيمه بفخر، أم صورة تُختزل فيها سنوات الدراسة في مشاهد لا تليق بحرمة العلم ولا مكانة الجامعة؟
فالنجاح الحقيقي لا يُقاس فقط بالشهادة، بل أيضًا بالأخلاق التي يحملها صاحبها أينما ذهب.



