
حين يصبح التشريع اختبارًا حقيقيًا للعدالة.. تبقى مصلحة الطفل هي الفيصل
بقلم / سماح محروس
في خضم الجدل الدائر حول بعض التشريعات المقترحة المتعلقة بقضايا الأسرة، يظل المعيار الأهم الذي يجب أن يحتكم إليه الجميع هو: هل يحقق هذا التشريع الأمان والاستقرار النفسي والاجتماعي للطفل، أم يفتح أبوابًا جديدة للقلق والاضطراب والمعاناة؟ ومن هنا، تبرز المواقف الوطنية المسؤولة التي تنحاز إلى الحق والعدالة ومصلحة الأبناء دون مجاملة أو خضوع لأي تيارات متشددة أو أفكار منحرفة تحاول فرض تصورات قد تحمل في ظاهرها عناوين براقة، بينما تخفي في باطنها مخاطر جسيمة على الطفل والمرأة معًا. وفي هذا السياق، يبرز موقف النائبة المحترمة أمل سلامة، التي عبرت بوضوح عن رؤية منحازة لصالح استقرار الطفل وأمنه النفسي والاجتماعي، دون انحياز إلا للحق والعدالة.
إن أخطر ما يحيط بطرح ما يسمى بـ”الاستضافة” ليس في الاسم ذاته، وإنما في التداعيات المحتملة لتطبيقه دون ضوابط حقيقية وحاسمة تضمن سلامة الطفل وتحميه من أي أذى نفسي أو اجتماعي أو بدني. فالقضية هنا لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد إجراء تنظيمي للعلاقة بين الطفل والطرف غير الحاضن، بل يجب النظر إليها من زاوية أكثر عمقًا وإنصافًا، وهي زاوية المصلحة الفضلى للطفل، لا الرغبات الشخصية، ولا محاولات استخدام الأبناء كورقة ضغط أو أداة صراع أو وسيلة انتقام بين أطراف أنهكتهم الخلافات. فالطفل ليس ميدانًا لتصفية الحسابات، وليس كيانًا يمكن نقله بين البيئات المتنازعة دون حساب دقيق لما قد يترتب على ذلك من آثار خطيرة.
كما أن الواقع المجتمعي، بكل ما يحمله من نماذج وتجارب ومآسٍ، يفرض علينا أن نتعامل مع هذا الملف بمنتهى الحذر والمسؤولية. فهناك حالات كثيرة تحملت فيها الأم وحدها عبء التربية والرعاية والإنفاق والاحتواء النفسي لسنوات طويلة، بينما تنصل الطرف الآخر من مسؤولياته كاملة، وترك الأبناء دون دعم حقيقي أو التزام فعلي. ومن غير المنطقي أو العادل أن يُعاد تقديم هذا الطرف لاحقًا باعتباره صاحب حق مجرد، دون النظر إلى ماضيه في الرعاية والمسؤولية والاحتواء. فالأبوة ليست مجرد صفة بيولوجية، وإنما مسؤولية كاملة تبدأ منذ الميلاد وتستمر بالفعل والرعاية والإنفاق والاحتواء والتربية. ومن أهمل كل ذلك لسنوات، لا يمكن مساواته بمن تحمل وحده مشقة البناء والرعاية والصبر.
إن الدعوة إلى تشريع لا يضع في اعتباره كل هذه الأبعاد الإنسانية والاجتماعية والنفسية، قد تتحول من محاولة للإصلاح إلى باب جديد للأذى، خاصة إذا غابت الضمانات الكافية التي تمنع تعريض الطفل لمخاطر محتملة أو لبيئات غير مأمونة أو مضطربة. فالعدالة الحقيقية لا تعني مساواة شكلية بين أطراف النزاع، بل تعني حماية الطرف الأضعف أولًا، وهو هنا الطفل، وضمان ألا يتحمل وحده نتائج صراعات الكبار أو أخطاءهم أو رغباتهم المتنازعة.
من هنا، فإن أي تشريع يمس مصير الأبناء يجب أن يُبنى على دراسة واقعية دقيقة، وعلى فهم عميق لطبيعة المجتمع، وعلى مراعاة صادقة لمصلحة الطفل فوق كل اعتبار. فلا يجوز أن يُفرض واقع جديد على الأسرة تحت أي مسمى، إذا كان هذا الواقع قد يهدد الاستقرار النفسي للأبناء أو يضاعف من مخاوف الأم الحاضنة التي أفنت عمرها في الرعاية والحماية. إن التشريع الرشيد هو الذي يحمي، لا الذي يغامر، والذي يوازن، لا الذي يجامل، والذي ينحاز للضعيف، لا الذي يتركه فريسة للتجريب أو الضغوط أو التفسيرات المنحرفة.
وفي النهاية، تبقى الرسالة الأوضح أن مصلحة الطفل ليست بندًا ثانويًا في أي نقاش تشريعي، بل هي الأصل الذي يجب أن تُبنى عليه كل القوانين والسياسات. فالطفل يستحق الأمان، ويستحق الاستقرار، ويستحق أن ينشأ بعيدًا عن الصراعات والتهديدات والتجاذبات. وكل صوت يدافع عن هذه المبادئ هو صوت يستحق التقدير، لأنه ينحاز للمستقبل، وللعدالة، وللإنسانية في أنبل صورها



