
حين تتحول التشريعات إلى ساحة صراع… كيف نحمي المرأة والطفل دون الإخلال بالعدالة؟
بقلم سماح محروس
في خضم النقاشات الدائرة حول تعديلات قوانين الأحوال الشخصية، يتصاعد القلق المجتمعي من اتجاهات قد تُفسَّر على أنها انتقاص من حقوق المرأة أو مساس باستقرار الطفل. هذا القلق لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى تجارب تاريخية عاشتها المرأة، عانت خلالها من ضغوط نفسية واجتماعية قاسية، قبل أن تحقق بعض المكتسبات القانونية التي أعادت قدرًا من التوازن داخل الأسرة.
لكن القضية، في جوهرها، ليست صراعًا بين رجل وامرأة، بل معادلة دقيقة تتطلب تحقيق العدالة لكافة الأطراف، دون انحياز أو استغلال. فالأسرة هي نواة المجتمع، وأي خلل في بنيتها ينعكس مباشرة على استقراره وأمنه الاجتماعي.
من أخطر ما يواجه المرأة في بعض الحالات، ليس فقط النص القانوني، بل التطبيق في ظل واقع قد يشهد وجود نماذج من الرجال غير المؤهلين لتحمل المسؤولية، سواء بسبب سلوكيات عنيفة، أو اضطرابات نفسية، أو غياب الوعي الأسري. وفي مثل هذه الحالات، تصبح المرأة هي الطرف الأكثر تعرضًا للضغط، وقد تتحمل أعباءً نفسية تدفعها إلى الانهيار، خاصة إذا أُجبرت على الاستمرار في علاقة تفتقد الأمان والاستقرار.
وفي المقابل، لا يمكن إنكار أن القوانين السابقة – رغم ما شابها من قصور – قد منحت المرأة بعض الضمانات التي حمتها من ممارسات كانت تمثل انتهاكًا واضحًا لكرامتها، خاصة فيما يتعلق باستخدام الأطفال كوسيلة ضغط أو ابتزاز. ومن هنا، فإن أي تعديل تشريعي يجب أن يُبنى على تطوير هذه المكتسبات، لا تقويضها.
أما الطفل، فهو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة. واستقراره النفسي والعاطفي يجب أن يكون أولوية مطلقة. فالأم، بحكم طبيعتها ودورها، تمثل المصدر الأساسي للرعاية والاحتواء في المراحل الأولى من عمر الطفل، وهو ما أجمعت عليه العديد من الدراسات، فضلًا عن اتفاق واسع بين علماء الشريعة على أهمية مراعاة مصلحة الطفل قبل أي اعتبار آخر.
إن طرح قضايا مثل “الاستضافة” أو تخفيض سن الحضانة يجب أن يتم بحذر شديد، وبضوابط واضحة تضمن عدم تحولها إلى أدوات ضغط أو تهديد، سواء للمرأة أو للطفل. فالتشريع لا يجب أن يُستخدم لإرضاء طرف على حساب آخر، بل لتحقيق التوازن والعدالة، بما يحفظ كرامة الجميع.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى رؤية تشريعية متكاملة تقوم على عدة أسس:
أولًا: حماية المرأة من أي شكل من أشكال العنف أو الاستغلال، سواء كان نفسيًا أو اجتماعيًا.
ثانيًا: ضمان حق الطفل في بيئة آمنة ومستقرة، بعيدًا عن الصراعات.
ثالثًا: تحقيق التوازن بين حقوق الأب في التواصل مع أبنائه، وحقوق الأم في توفير الاستقرار والرعاية.
رابعًا: الالتزام بروح الشريعة ومقاصدها، بعيدًا عن أي تأويلات تخدم طرفًا على حساب آخر.
إن استقرار الأسرة المصرية ليس مجرد قضية اجتماعية، بل هو ركيزة أساسية للأمن القومي. وأي تشريع يمس هذا التوازن يجب أن يُدرس بعناية، ويُبنى على حوار مجتمعي واسع، يشارك فيه المختصون في القانون، وعلم النفس، والشريعة، لضمان الوصول إلى حلول عادلة ومستدامة.
في النهاية، لا تحتاج المرأة إلى معركة، بل إلى إنصاف. ولا يحتاج الطفل إلى صراع، بل إلى أمان. وبين هذا وذاك، تبقى مسؤولية المشرّع هي تحقيق العدل… لا الانحياز.



