
إنجي بدوي تكتب: استقلال مزعوم على أنقاض فلسطين
ليس كل ما يُسمى استقلالًا يستحق الاحتفاء، فهناك استقلالات تُبنى على الحرية، وأخرى تُشيد فوق أنقاض الشعوب ودمائها، وما يُروج له كـ”يوم استقلال إسرائيل” ليس إلا الوجه الآخر لـ احتلال واغتصاب الأراضي الفلسطينية، تلك اللحظة التي تحولت فيها أرض فلسطين إلى مسرح لواحدة من أوسع العمليات الدموية، والتهجير في التاريخ الحديث، لم تُبنَ الدولة المزعومة على أرض خالية، بل على أنقاض قرى فلسطينية أُزيلت، ومجتمعات تم تفكيكها بالقوة.
عاشت فلسطين، سلسلة من المجازر التي لا تزال محفورة في الذاكرة الفلسطينية والعربية، مثل دير ياسين، والطنطورة، واللد، وغيرها من القرى التي تعرض سكانها للقتل الجماعي أو التهجير، لم تكن هذه الأحداث استثناءات، بل جزءًا من سياسة ممنهجة هدفت إلى تفريغ الأرض من سكانها الأصليين، لفرض واقع ديموغرافي جديد يخدم المشروع الصهيوني.
ومع مرور العقود، لم تتوقف هذه الانتهاكات، بل اتخذت أشكالًا مختلفة، من الاحتلال العسكري إلى الاستيطان غير الشرعي، مرورًا بالحصار والاعتقالات وهدم المنازل، بجانب تزوير التاريخ.
في الضفة الغربية تستمر معاناة الفلسطينيين تحت وطأة سياسات تُقيد حركتهم، وتستهدف مصادر رزقهم، وتُهدد وجودهم اليومي، في مشهد يعكس استمرارية النهج ذاته الذي بدأ عام 1948.
ومن ناحية أخرى، تعيش مدينة غزة منذ أكثر من عامين حرب الإبادة التي تستهدف قطع النسل الفلسطيني، بداية من استشهاد الأطفال والنساء، لسرقة جثامين الموتي، وتدمير مراكز الأجنة، وغيرها من الانتهاكات.
لنري اليوم بين الدول العربية، مشروع إرهابي قائم “دواعش الصهاينة”، علي حساب الدم الفلسطيني، ولكن رغم المعاناة يظل الفلسطينيون متمسكين بحقهم في أرضهم وهويتهم، رغم كل محاولات الطمس والتهميش، فذاكرة النكبة لم تندثر، بل تُورث عبر الأجيال، لتبقى شاهدًا على ما حدث، ودافعًا للمطالبة بالحقوق المشروعة، وعلى رأسها حق العودة وتقرير المصير.
في النهاية، لا يمكن لأي سردية واقعية أن تُعترف بما يُسمى بـ”يوم الاستقلال” ارتبط تاريخيًا بوقائع النكبة، بكل ما حملته من تهجيرٍ قسري ومجازر وطمسٍ للهوية، ومهما حاولت الروايات الصهيونية في إعادة صياغة الأحداث، لكنها فشلت في محو ذاكرة الشعوب، وإلغاء حقائق التاريخ التي ما زالت آثارها قائمة حتى اليوم.
سيبقى هذا اليوم، بالنسبة للفلسطينيين والعرب، شاهدًا على جرحٍ مفتوح لا يندمل، وعلى مرحلة تأسست فيها معادلة غير عادلة ما زالت تُلقي بظلالها على الحاضر، فالقضية لم تكن يومًا مجرد نزاع على أرض، بل صراع على الحق والهوية والوجود، وهو صراع لا يُحسم بالشعارات أو القوة، بل بإحقاق العدالة.



