أقلام حره

النقد الهدام والإساءة إلى لغة الحوار.. سلبية تهدم ولا تعالج

بقلم سماح محروس

من المؤسف أن تتحول بعض المواقف التي يفترض أن تكون نموذجًا للإدارة الإيجابية والتوجيه المسؤول إلى حالة من الجدل المجتمعي، بسبب أسلوب الحوار وطريقة توجيه النقد، وهو ما ظهر خلال الواقعة المتداولة إعلاميًا وعبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن زيارة محافظ القليوبية لإحدى المدارس بمدينة بنها.

لا خلاف على أن قيام المسؤول بمتابعة استعدادات المدارس قبل بدء العام الدراسي، والتأكد من جاهزية المنشآت وتوافر المستلزمات واستكمال أوجه النقص، هو أمر إيجابي ومطلوب، بل يدخل في صميم مسؤولياته وواجباته تجاه المواطنين والطلاب.

لكن الإشكالية تبدأ حين يتحول التوجيه من نقد هادف إلى توبيخ حاد، أو إلى استخدام عبارات تحمل إساءة لفظية أو أدبية للمرؤوس أمام الآخرين. هنا تفقد المتابعة هدفها الإصلاحي، ويتحول النقد من أداة للبناء إلى سبب للهدم والإحباط.

فالمسؤول لا يُقاس فقط بقدرته على رصد الأخطاء، وإنما كذلك بقدرته على معالجة تلك الأخطاء بأسلوب يحفظ كرامة العاملين ويدفعهم إلى الاستجابة والإصلاح. أما الإهانة فلا تصنع إدارة ناجحة، ولا تبني مؤسسة قوية، بل قد تخلق حالة من الخوف أو النفور وتفقد التوجيه قيمته الحقيقية.

ومن أبسط قواعد الإدارة الرشيدة أن يكون المسؤول قدوة في حديثه وسلوكه، وأن يتحلى بآداب الحوار واحترام الآخرين، لا سيما أمام الجمهور أو وسائل الإعلام. وقد رسخت شريعتنا الإسلامية مبادئ اللين وحسن القول، فقال الله تعالى: «ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك»، كما أن الكلمة الطيبة صدقة، والتواضع وحسن المعاملة من أهم مقومات القيادة الناجحة.

ولا يعني الاعتراض على أسلوب الحوار رفض الرقابة أو محاسبة المقصرين، فالنقد البناء ضرورة، والمحاسبة واجبة عندما يقع تقصير، لكن الفارق كبير بين محاسبة تحفظ للإنسان كرامته، وبين توجيه يتحول إلى تجريح أو إهانة.

ويزيد الجدل في الواقعة أن مديرة المدرسة، بحسب ما تم تداوله، أوضحت أنها تدخلت شخصيًا لتوفير بعض الاحتياجات والإنفاق على عدد من البنود بعدما سبق لها الإبلاغ عن أوجه النقص دون استجابة كافية من الجهات المعنية. وإذا ثبت ذلك، فإن الأمر كان يستحق أولًا تقدير هذا الجهد والتحقق من أسباب القصور الإداري، قبل توجيه اللوم بصورة حادة.

فالموظف الذي يحاول سد أوجه النقص من أجل المصلحة العامة ينبغي دعمه وتشجيعه، مع معالجة أصل المشكلة وتحديد الجهات المقصرة، وليس تحميل فرد واحد تبعات منظومة كاملة.

إن الرأي العام لا يعترض على قيام المسؤول بدوره الرقابي، بل ينتظر منه أن يجمع بين الحزم والاحترام، وبين الرقابة والتقدير، وبين كشف السلبيات وتقديم الحلول. فالإدارة الحقيقية ليست رفع الصوت، وإنما القدرة على تصحيح الخطأ دون تحطيم الإنسان.

وفي النهاية، تستحق كل شخصية تؤدي عملها بضمير وتحافظ على المصلحة العامة التقدير والاحترام، كما أن الرسالة الأهم لكل مسؤول هي أن النقد الهادف يبني، أما النقد القائم على الإهانة فيُفقد الإدارة هيبتها قبل أن يُصلح الخطأ.

فاللين في القول، واحترام ثقافة الحوار، والتواضع المهني، وحفظ كرامة المرؤوسين، ليست أمورًا ثانوية، وإنما هي من أهم دعائم الإدارة الناجحة وبناء الثقة وتحقيق الإصلاح الحقيقي.

النقد البناء يُصلح.. أما الإساءة فتهدم ما قد لا تستطيع القرارات إصلاحه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock