أقلام حره

أحلام الصنهاجى تكتب : من بناء العقار إلى بناء الذات… رحلة أحلام الصنهاجي بين الإدارة والكوتشينغ والرسالة الإنسانية

أحلام الصنهاجي… امرأة اختارت أن تحوّل تجارب الحياة إلى وعي، والتحديات إلى قوة، والمسار المهني إلى رسالة

.

في حياة كل إنسان محطات لا تكون مجرد أحداث عابرة، بل تصبح نقاط تحول تعيد تشكيل نظرته إلى نفسه وإلى الحياة. ومحطات أحلام الصنهاجي كانت من هذا النوع؛ امرأة مغربية في الثالثة والأربعين من عمرها، أم لثلاث أميرات، ومديرة عمليات في مجال العقار والبناء، ومدربة ولايف كوتش معتمدة، اختارت أن تجعل من رحلتها الشخصية والمهنية جسراً نحو بناء الإنسان كما بنت، لسنوات، في مجال العقار.

“من بناء العقار إلى بناء الذات” ليست مجرد عبارة تختصر مسيرتها، بل هي عنوان رحلة بدأت من عالم الإدارة والعمليات والبناء، وانتهت إلى اكتشاف أن أعظم مشروع يمكن للإنسان أن يستثمر فيه هو ذاته.

حين تقودنا الحياة إلى اكتشاف أنفسنا

تؤمن أحلام أن بعض التجارب لا تأتي إلى حياتنا لكي تغيّرنا فقط، وإنما لكي تدفعنا إلى اكتشاف أعمق لذواتنا.

كانت أمومتها إحدى أهم محطات هذه الرحلة. فهي أم لثلاث بنات، وكانت ابنتها الصغرى، وهي طفلة من ذوي الهمم، سبباً عميقاً في إعادة النظر في كثير من المفاهيم المرتبطة بالحياة، والقوة، والاختلاف، والنجاح.

لم تنظر أحلام إلى هذه التجربة باعتبارها تحدياً فقط، بل جعلتها فرصة للارتقاء بالذات، وتعزيز الوعي، وإعادة اكتشاف معنى القوة الحقيقية.

ومن هنا بدأت رحلة مختلفة؛ رحلة لا تبحث فيها عن حياة خالية من الصعوبات، وإنما عن إنسان أكثر وعياً وقدرة على التعامل معها.

كانت تلك التجربة بمثابة دعوة داخلية لإعادة بناء الذات من الداخل، وفهم المشاعر، ومراجعة الأولويات، والبحث عن السلام الداخلي.

فبالنسبة لأحلام، السلام الداخلي لا يعني أن تختفي التحديات، بل أن يصبح الإنسان أكثر قدرة على مواجهتها بوعي واتزان.

من عالم البناء إلى عالم الإدارة والقيادة

على المستوى المهني، راكمت أحلام الصنهاجي تجربة مهمة في مجال العقار والبناء لمدة تزيد عن ١٧ سنة، حيث تعمل مديرة للعمليات ضمن مجموعة معروفة في المغرب.

عملها في هذا القطاع منحها تجربة واسعة في الإدارة والتدبير وقيادة العمليات، والتعامل مع مختلف التحديات المرتبطة بعالم الأعمال، حيث تتطلب المسؤولية قدرة على التنظيم، واتخاذ القرار، وإدارة الفرق، وتحقيق النتائج.

سنوات العمل في هذا المجال جعلتها تدرك أن بناء المشاريع يحتاج إلى رؤية وصبر ودقة والتزام، وهي مبادئ ستكتشف لاحقاً أنها تنطبق أيضاً على بناء الإنسان.

فكما أن بناء عقار متين يحتاج إلى أساس قوي، فإن بناء شخصية متوازنة يحتاج بدوره إلى أساس من الوعي والثقة بالنفس والقيم والقدرة على اتخاذ القرار.

وهنا بدأت تتشكل لديها قناعة جديدة:

إذا كان البناء المهني يصنع مشاريع، فإن بناء الإنسان يصنع حياة.

قرار الانتقال من بناء الأشياء إلى بناء الإنسان

بعد سنوات من العمل في مجال البناء والإعمار، اختارت أحلام أن توسع مجال تأثيرها، وأن تنتقل من بناء المشاريع إلى المساهمة في بناء الإنسان.فدرست البرمجة اللغوية العصبية، وتخصصت في مجال الكوتشينغ، لتجمع بين تجربتها المهنية الطويلة وتجربتها الإنسانية والشخصية.

لم يكن هذا التحول بالنسبة إليها قطيعة مع الماضي، بل امتداداً طبيعياً له.

فالإدارة علمتها التخطيط واتخاذ القرار وتحمل المسؤولية، والحياة علمتها المرونة والصبر وفهم الذات، بينما منحها الكوتشينغ الأدوات التي تساعدها على مرافقة الآخرين في رحلاتهم الخاصة نحو الوعي والتغيير.

وتؤمن أحلام بأن الإنسان لا يحتاج دائماً إلى شخص يعطيه الحلول، بقدر ما يحتاج أحياناً إلى من يساعده على طرح الأسئلة الصحيحة، واكتشاف قوته الداخلية، ورؤية إمكاناته التي ربما لم يكن يراها بنفسه.

تجربة إنسانية تتجاوز حدود المهنة

إلى جانب مسارها المهني، تحمل أحلام تجربة مجتمعية وإنسانية خاصة.

فقد كان لها شرف تحمل مسؤولية الكاتبة العامة لجمعية مغربية تُعنى بالنهوض بالأشخاص الحاملين للتثلث الصبغي، وهي تجربة عززت لديها الإيمان بأن الاختلاف ليس نقصاً، وأن الإنسان لا ينبغي أن يُختزل في تحدٍ أو تشخيص أو ظرف.

ومن خلال هذه التجربة، تعمق لديها إدراك أهمية الدعم، والاحتواء، والوعي المجتمعي، وإعطاء كل إنسان المساحة التي تمكنه من التعبير عن قدراته والمساهمة في المجتمع.

لقد جعلتها التجربة أكثر إيماناً بأن كثيراً من الحواجز التي يواجههاالإنسان لا تكون دائماً في قدراته، وإنما أحياناً في نظرة المجتمع إليه أو في غياب البيئة الداعمة من حوله.

ولهذا أصبحت رسالتها أكثر ارتباطاً بالإنسان، وبحقه في أن يُفهم قبل أن يُحكم عليه.

الكتابة… مساحة أخرى للتعبير

ولا تقتصر اهتمامات أحلام على الإدارة والكوتشينغ والعمل الجمعوي، بل تمتد أيضاً إلى الكتابة.

فقد خاضت تجربة في الكتابة والنشر من خلال مجلة «منهجيات»، التي شكلت بالنسبة إليها فضاءً للتعبير عن الأفكار والاهتمامات والتأمل في عدد من القضايا التي تهم الإنسان والمجتمع.

فالكتابة بالنسبة إليها ليست مجرد كلمات، وإنما وسيلة للتفكير، والتعبير، ومشاركة التجربة.

وهي ترى أن الكلمة يمكن أن تكون أحياناً بداية تغيير؛ فكرة تصل إلى شخص في اللحظة المناسبة، فتمنحه أملاً، أو تدفعه إلى إعادة النظر في حياته، أو تساعده على اتخاذ قرار كان يؤجله.

بين الأم والمديرة والمدربة… إنسان واحد

وراء كل هذه الأدوار، تبقى أحلام قبل كل شيء امرأة تخوض رحلتها الخاصة في الحياة.

أم لثلاث بنات، ومسؤولة عن عملها، ومدربة، وكوتش، وكاتبة، وفاعلة في المجال الجمعوي.

وتعرف جيداً أن التوازن ليس أن يعطي الإنسان كل شيء لكل شيء وفي الوقت نفسه، وإنما أن يتعلم كيف يضع أولوياته، وكيف يصغي إلى نفسه، وكيف يمنح لكل جانب من حياته حقه دون أن يفقد ذاته في الطريق.

وهذه إحدى الأفكار التي تحملها في عملها في الكوتشينغأن الإنسان لا يستطيع أن يبني حياة متوازنة إذا كان يعيش بعيداً عن ذاته.

فالنجاح في نظرها لا يقاس فقط بالمنصب أو الدخل أو الإنجازات الظاهرة، وإنما أيضاً بمدى شعور الإنسان بالانسجام مع نفسه، وبقدرته على العيش وفق قيمه، وبامتلاكه السلام الداخلي الذي يجعله أكثر قوة أمام تقلبات الحياة.

الكوتشينغ بالنسبة إليها… رسالة قبل أن يكون مهنة

اليوم، تواصل أحلام الصنهاجي مسارها بين الإدارة والتكوين والكتابة والكوتشينغ، وهي تحمل رؤية واضحة لما تريد أن تقدمه.

لا تسعى إلى تقديم صورة مثالية عن الحياة، ولا إلى إقناع الناس بأن التغيير سهل.

بل تؤمن بأن التغيير رحلة، وأن كل إنسان له توقيته الخاص، وأن البداية الحقيقية تكون عندما يمتلك الشجاعة للنظر إلى داخله بصدق.

ومن خلال عملها كمدربة ولايف كوتش، تطمح إلى مرافقة الأشخاص الراغبين في فهم ذواتهم بشكل أعمق، وتعزيز وعيهم، وتطوير إمكاناتهم، وبناء علاقات أكثر توازناً مع أنفسهم ومع محيطهم.

كما تهتم بشكل خاص بالمواضيع المرتبطة بالوعي الذاتي، والثقة بالنفس، والذكاء العاطفي، والتوازن النفسي والحياتي، وتربية الأبناء وبناء شخصياتهم.

حين يصبح الألم معنى

ربما تكون أجمل خلاصة في مسيرة أحلام الصنهاجي هي قدرتها على تحويل التجارب إلى معنى.

فهي لم تسمح للتحديات بأن تختصر قصتها، بل جعلتها جزءاً من القوة التي بنت بها رؤيتها للحياة.

ومن تجربتها كأم، تعلمت أن الاختلاف يمكن أن يكون مدرسة.

ومن تجربتها المهنية، تعلمت أن النجاح يحتاج إلى مسؤولية وانضباط.

ومن الإدارة، تعلمت القيادة.

ومن الكتابة، تعلمت قوة الكلمة.

ومن الكوتشينغ، تعلمت أن الإنسان قادر على إعادة كتابة قصته متى امتلك الوعي والرغبة في التغيير.

ولهذا، فإن رحلتها لا تبدو انتقالاً من مجال إلى آخر، وإنما تبدو كأنها قطع مختلفة من قصة واحدة: قصة امرأة تبحث باستمرار عن معنى أعمق للحياة، وتريد أن تجعل من تجربتها قيمة تتجاوز حدودها الشخصية.

رسالة تؤمن بها

تختصر أحلام الصنهاجي رؤيتها في رسالة بسيطة وعميقة:

“الارتقاء بالحياة يبدأ بالارتقاء بالذات.”

فالإنسان، في نظرها، قد لا يستطيع اختيار كل ما يحدث له، لكنه يستطيع أن يختار الطريقة التي يتعامل بها معه.

وقد لا يستطيع التحكم في كل ظروف الحياة، لكنه يستطيع أن يعمل على نفسه، وأن يطور وعيه، وأن يتعلم، وأن يختار قراراته، وأن يبني السلام الذي يبحث عنه من الداخل.

وهنا تكمن فلسفتها في الحياة والكوتشينغ:
لسنا مسؤولين عن كل ما يحدث لنا، لكننا مسؤولون عن الطريقة التي نختار أن نعيش بها ما يحدث لنا.

من بناء العقار إلى بناء الذات

رحلة أحلام الصنهاجي هي في جوهرها رحلة بناء.

بدأت من البناء المادي، حيث تُشيّد المشاريع على الأرض، وانتقلت إلى البناء الإنساني، حيث تُبنى الثقة والوعي والقوة الداخلية.

وبين المجالين، بقيت القاعدة نفسها: لا شيء متيناً من دون أساس قوي.

واليوم، لا تدّعي أحلام أنها وصلت إلى نهاية الطريق؛ بل تعتبر نفسها ما زالت في رحلة تعلم واكتشاف وتطور.

رحلة امرأة مغربية اختارت أن تجعل من مهنتها وخبراتها وتجاربها الإنسانية جسوراً نحو الآخرين، وأن تقول لكل من يقرأ قصتها:

لا تنتظر أن تصبح حياتك مثالية حتى تبدأ في بنائها.ابدأ منذاتك، من وعيك، من قراراتك، ومن الطريقة التي تختار بها أنتعيش.

فربما لا نستطيع دائماً اختيار شكل الحياة التي نعيشها،
لكننا نستطيع أن نختار كيف نبني أنفسنا داخلها.

ومن بناء العقار إلى بناء الذات… هذه رحلتي المتواضعة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock