
د بشار على عيسى يكتب: الأيديولوجيات الجديدة
يسأل كل إنسان عن ماهية المستقبل الذي سوف يُعاصره بتغيراته المتسارعة و المتلاحقة و كيف للمرء التصرف بحكمة و مسؤولية أمام مفاجآته الكثيرة و تقلباته غير المحسوبة ، و على الرغم من كل ما تم إحرازه من تقدم و ازدهار واضح في شتى المجالات و ما ترتب على ذلك من مُستجدات تكنولوجية ساعدت الإنسان على التحكم في كثير من جوانب الحياة و في بعض مظاهر الكون فلا يزال الذهن البشري يقف مُتسائلاً عن جملة الأحداث الصادمة التي يصعب التنبؤ بها مُسبقاً ، و يزيد من شعور الإنسان بالحيرة هو عدم وجود نمط نظريات و مبادىء عامة يمكن الاسترشاد بها لرسم حياة المرء و تحديد علاقاته المستقبلية مع الآخرين بشكل يدعو إلى الثقة و الاطمئنان ، و إن كلمة أيديولوجيا تعريفاً تعني وجود منظومة من المعتقدات تهدف إلى تغيير العالم حسب رؤية معينة مما يعني بأن هذا المصطلح يحمل في طياته وضع جملة قيود على آراء الآخرين أو حتى رفض الآخر كلياً بكل ما يتضمنه ذلك من تعسف قاسي أحياناً .
تظهر على السطح بعض الآراء و الأفكار العامة و النظريات المختلفة التي تُحدد معالم الأوضاع السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية القائمة و لكنها لا ترقى لدرجة تأليف أيديولوجيات بالمعنى الدقيق تماماً للكلمة و ذلك لضيق مجالها إلى حد كبير ، و يتبادر إلى الأذهان سؤال هام حول مدى إمكانية قيام مجتمعات إنسانية متماسكة و تربطها ببعضها البعض مبادىء و أُسس دون أيديولوجيات مُسيطرة و موجهة ، و بصرف النظر عن مدى صدق و جدية هذه المُبررات فإن تغير الأوضاع يقتضي وجود أيديولوجيات جديدة و ملائمة و برامج تقنية ذات أبعاد عالية ﻭ تتجلى الحقيقة الأساسية و الواضحة في أن العالم اليوم يقف على مشارف أشد و أعمق مراحل التغير التي عرفتها الإنسانية ، و تتمايز هذه المرحلة عن سابقاتها بسرعة التغيرات التكنولوجية فيها و مدى ارتباط الناس بها و اعتمادهم عليها كلياً بشكل قد يؤدي إلى نوع من التوحد بين الإنسان و الآلة حتى يصعب التمييز بين ما هو بيولوجي و ما هو آلي ، و لعل ما تم ذكره لا يعني بأن الإنسان لم يعد له أي دور في تشكيل واقع حياته و أُفق مستقبله بل إن الأمر على العكس تماماً لأنه وسط كل هذه التغيرات يبرز كيان الإنسان كشخص فاعل و مُؤثر في أحداث العالم و الكون عبر ضرورة التوصل إلى مبادىء و أفكار و تصورات أيديولوجيات جديدة تتلاءم مع الظروف الراهنة و الأوضاع الحالية و ترفد مسيرة المجتمع برمته .
انقسم العالم في الآونة الأخيرة إلى أقسام و شيع مُتناحرة و مُتصارعة اقتصادياً و ثقافياً و سياسياً و حتى عرقياً بأشكال و أوجه تُهدد كيانه مما يتطلب البحث الجاد عن وسيلة تُعيده إلى شيء من التقارب و التناغم لتستمر عجلة الحياة في مسارها و مجراها الطبيعي أو كما يتمناها المرء لكي تلبي احتياجاته في محطات المستقبل ، و من المُلاحظ بأن النداءات تتزايد و تتعالى صيحاتها للمطالبة بهيكلة جديدة تكفل الارتفاع بمستوى القضايا الإنسانية و حتى مشكلاتها استناداً إلى أيديولوجية واضحة المعالم تتضمن رؤية مُحددة و دقيقة و شاملة لما يجب أن يكون عليه عالم الغد من أسلوب التعامل مع عموم الأشياء و طبيعة صور العلاقات بين عموم البشر على امتداد البسيطة ، و لعل مُجمل ما تم ذكره يتجلى على اعتبار أن روح الأيديولوجيا هي منظومة من المبادىء و الأهداف و القرارات القابلة للتطبيق و الكامنة وراء نسق اجتماعي أو اقتصادي أو سياسي يتحلى بالقدرة على تشكيل توأمة إبداع الفكر و لحن الحياة ، و الأمر برمته لا يخلو بعد هذا كله من وجود بعض الشكوك و التساؤلات التي يُثيرها البعض في مُجمل تعليقاتهم بأن تؤدي التغيرات المُتسارعة و القفزات المُتلاحقة إلى اغتراب شتى البشر بعضهم عن بعض و كذلك عن العالم الذي يعيشون فيه و عن حضن الطبيعة التي تُحيط بهم وصولاً إلى فقد الإنسان لآدميته في ظل الأوضاع و المُتغيرات التي لن توفر له طعم السعادة المنشودة و هناء الراحة المطلوبة و نمط العلاقات المحبوبة .



