أقلام حره

العربية بين أصالة النشأة وثراء البيان.. قراءة في أسرار لغة القرآن

بقلم: أ.د/ أمحمد فرج علي فرحات الخزعلي
رئيس هيئة تمكين ورعاية اللغة العربية بالاتحاد العربي للثقافة
ورئيس مركز أبحاث اللغة العربية بالاتحاد العالمي للمثقفين العرب

ليست اللغة العربية مجرد وسيلة للتخاطب أو وعاء للكلمات، بل هي منظومة لغوية شديدة الثراء، استطاعت عبر قرون طويلة أن تحافظ على حضورها وأن تحمل تراثًا دينيًا وعلميًا وأدبيًا وفكريًا بالغ الاتساع. ومع ذلك، فإن الحديث عنها كثيرًا ما تختلط فيه الحقائق اللغوية بالمقولات الشائعة التي تتناقلها الأجيال حتى تبدو وكأنها من المسلمات.

ومن أشهر هذه المقولات وصف العربية بأنها «لغة الضاد»، وهي عبارة ذائعة الصيت، لكن البحث في أصولها وتاريخ ظهورها يفتح بابًا للنقاش. ففي التراث اللغوي القديم نجد قول الخليل بن أحمد الفراهيدي في مقدمة معجمه العين: «وليس في شيء من الألسن ظاء غير العربية»، وهو ما يدفع إلى إعادة النظر في بعض الأقوال التي استقرت في الوعي العام دون التحقق من جذورها التاريخية.

كما يُتداول حديث: «أنا أفصح من نطق بالضاد بيد أني من قريش»، بينما ذكر عدد من أهل العلم، ومنهم ابن كثير والعجلوني، أنه لا أصل له. ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين ما شاع على الألسنة وبين ما تثبته المصادر والتحقيقات العلمية.

العربية وآدم.. رؤية في أصل اللغة

ومن القضايا التي تستحق التأمل مسألة قِدم العربية وأصلها. وأذهب إلى رؤية مفادها أن مولد العربية يمكن ربطه بخلق آدم عليه السلام، انطلاقًا من النظر في اسمه ودلالته داخل النظام اللغوي العربي.

فاسم «آدم» يمكن تناوله في العربية من خلال بنائها الصرفي ودلالاتها المتعلقة باللون، كما ترتبط به ألفاظ من مادة «أدم»، ومنها الأُدمة وأديم الأرض. وتكشف هذه الصلات – في هذه الرؤية – عن قدرة العربية على تفسير الاسم ضمن نظامها الاشتقاقي والصرفي.

ويفتح ذلك بابًا للتأمل في قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، وفي طبيعة اللغة التي جرى بها هذا التعليم الأول. وهي قضية تظل مجالًا للبحث والاجتهاد، لكن المؤكد أن العربية تمتلك نظامًا اشتقاقيًا وصرفيًا بالغ الثراء مكّنها من إنتاج عدد هائل من الألفاظ والدلالات.

الإعراب.. سر من أسرار المرونة العربية

ومن أعظم خصائص العربية نظام الإعراب؛ فالحركة في نهاية الكلمة لا تؤدي وظيفة صوتية فحسب، وإنما تحدد وظيفتها داخل الجملة، وهو ما يمنح المتكلم مساحة واسعة في التقديم والتأخير دون ضياع المعنى.

ويتجلى ذلك بوضوح في قوله تعالى:

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾.

فالحركات الإعرابية تكشف أن «اللهَ» مفعول به، وأن «العلماءُ» هم الفاعل، رغم تقدم المفعول وتأخر الفاعل. وهنا تظهر قيمة الإعراب في حماية المعنى، إلى جانب ما تمنحه العربية من إمكانات الحذف والإضمار والتقديم والتأخير والاستتار والإظهار.

وهذه المرونة كانت من أهم أسباب ثراء البيان العربي وقدرته على التعبير عن المعنى الواحد بصور متعددة تختلف في درجات التأكيد والجمال والدلالة.

ثراء العربية وموسيقى الشعر

ويتجلى غنى العربية كذلك في الشعر والعَروض؛ إذ تمتلك منظومة واسعة من البحور والأوزان الشعرية، بما يسمح بتشكيل أنماط متعددة من الموسيقى والإيقاع.

وقد أسهم هذا الثراء اللغوي والبياني في نشأة تراث شعري هائل يمتد من الشعر العربي القديم إلى يومنا هذا، ويكشف عن قدرة اللغة على الجمع بين دقة المعنى وجمال الصوت والصورة والإيقاع.

وفي ذروة هذا البيان يأتي القرآن الكريم، الذي مثّل في الثقافة العربية والإسلامية أعلى صور الفصاحة والبلاغة، وكان نزوله بالعربية عاملًا جوهريًا في حفظها واستمرارها وانتشار علومها من نحو وصرف وبلاغة ومعاجم وقراءات وغيرها.

العربية واللغات الأخرى.. أخذ وعطاء

لم تعش العربية منعزلة عن غيرها، فقد جاورت عبر التاريخ الفارسية والسريانية والحبشية والتركية وغيرها من اللغات، ومن الطبيعي أن يحدث بينها تبادل لغوي.

وقد انتقلت مفردات عربية كثيرة إلى لغات أخرى، ولا تزال آثار العربية واضحة في عدد من لغات الشعوب التي تفاعلت تاريخيًا مع الحضارة العربية والإسلامية.

وفي المقابل، دخلت العربية بعض الكلمات ذات الأصول الأجنبية، لكنها كثيرًا ما أخضعتها لنظامها الصوتي والصرفي حتى أصبحت جزءًا من نسيجها.

وهنا يظهر مفهوم التعريب، الذي يختلف عن مجرد الترجمة.

فالترجمة تنقل المعنى من لغة إلى أخرى، أما التعريب – بالمعنى اللغوي الاصطلاحي – فيتعامل مع اللفظة الوافدة ويعيد تشكيلها بما يتناسب مع أصوات العربية وأبنيتها واستعمالاتها.

ومن الأمثلة التي يوردها اللغويون في هذا الباب كلمات مثل إبريق وباشق ودستور، إذ جرى تداولها عربيًا بعد أن تكيفت مع النظام اللغوي العربي.

ومن هنا فإن قضية الألفاظ ذات الأصول غير العربية في القرآن تحتاج إلى قدر كبير من الدقة؛ إذ ينبغي التمييز بين أصل الكلمة التاريخي وبين وضعها اللغوي بعد دخولها العربية واستقرارها على ألسنة العرب قبل نزول القرآن.

المجامع اللغوية واستمرار مهمة التعريب

وما قامت به العربية بصورة تلقائية عبر تاريخها أصبح اليوم إحدى مسؤوليات المجامع اللغوية والمؤسسات العلمية؛ فالعالم ينتج باستمرار آلاف المصطلحات في الطب والهندسة والصناعة والزراعة والتقنية والفلسفة والاقتصاد وغيرها.

وتعمل اللجان المتخصصة على إيجاد مقابلات عربية لهذه المصطلحات أو تعريبها بطريقة تراعي بناء العربية ودلالاتها، ثم تثبتها في المعاجم والمراجع المتخصصة.

وتزداد أهمية هذه المهمة اليوم مع الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، لأن قوة اللغة في المستقبل لن تُقاس فقط بما تمتلكه من تراث، وإنما أيضًا بقدرتها على إنتاج المصطلح العلمي والتقني ومواكبة المعرفة الحديثة.

سر البقاء والاستمرار

ومن الظواهر اللافتة قدرة القارئ العربي المعاصر – مع قدر مناسب من التعليم – على قراءة نصوص عربية كتبت قبل قرون طويلة والتعرف إلى قدر كبير من تراكيبها ومفرداتها.

ولا شك أن القرآن الكريم كان عاملًا مركزيًا في حفظ العربية الفصحى واستمرار مرجعيتها عبر الأجيال، إلى جانب التراث الشعري والعلمي والديني والمؤسسات التعليمية التي حافظت عليها.

فاللغات تتغير بطبيعتها، والعربية نفسها شهدت تطورات واختلافات في الاستعمال واللهجات والدلالات، لكنها احتفظت في الوقت نفسه بنواة فصيحة مشتركة ربطت أجيالًا متباعدة زمنيًا.

اليوم العالمي للغة العربية.. هل نحتاج إلى دلالة أخرى؟

يوافق 18 ديسمبر اليوم العالمي للغة العربية، ارتباطًا بقرار الأمم المتحدة عام 1973 إدخال العربية ضمن لغاتها الرسمية ولغات العمل.

غير أن الاحتفاء بالعربية، من وجهة نظري، لا ينبغي أن يستمد قيمته من اعتراف مؤسسة دولية بها، وإنما من تاريخها وحضورها الحضاري ومكانتها لدى أهلها.

ومن هنا أطرح رأيًا شخصيًا للنقاش، لا ألزم به أحدًا: لماذا لا يرتبط الاحتفاء الأكبر باللغة العربية بتاريخ ذي دلالة متصلة بالقرآن الكريم الذي كان من أعظم أسباب حفظها؟ ويمكن – في إطار هذا التصور – أن يكون 27 رمضان مناسبة رمزية للاحتفاء بالعربية، ارتباطًا بما اشتهر لدى كثير من المسلمين بشأن ليلة القدر ونزول القرآن.

إن القضية في النهاية ليست اختيار يوم في التقويم بقدر ما هي استعادة الوعي بقيمة هذه اللغة.

فالعربية لا تحتاج منا إلى كلمات المديح بقدر حاجتها إلى القراءة والكتابة والبحث والتعليم والتأليف والترجمة والتعريب وإنتاج المعرفة بها.

إنها لغة حملت تراثًا ممتدًا عبر القرون، ولا يزال أمامها مستقبل واسع إذا أحسن أبناؤها التعامل معها، واستطاعوا نقلها من دائرة الاعتزاز العاطفي إلى فضاء العلم والتقنية والإبداع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock