أقلام حره

الخليج بين عواصف الإقليم وكُلفة الجوار الاستراتيجي

 

بقلم د. أحمد محمد رزق
دكتوراة القانون العام

ليس الخليج بعيدًا عن النار؛ بل يقف، بحكم الجغرافيا، في المدار الأقرب إلى وهجها السياسي والاقتصادي والأمني. وفي إقليم لا يكف عن إنتاج الأزمات، لم تعد كلفة الجوار احتمالًا مؤجلًا، بل أصبحت واقعًا يوميًا يضغط على الحسابات، ويختبر التوازنات، ويعيد تعريف معنى الاستقرار نفسه.

الخليج، الذي راكم أهميته بوصفه مركزًا للطاقة والتجارة والنفوذ، يواجه اليوم لحظة إقليمية بالغة الحساسية، حيث تختلط الحروب بحسابات الردع، وتتداخل السياسة مع الاقتصاد، وتغدو الجغرافيا عنصرًا فاعلًا في صناعة المصير. فهذه المنطقة التي اعتادت أن تُقرأ من منظور القوة والمكانة، تجد نفسها أمام سؤال أكثر إلحاحًا: كيف تحمي استقرارها في محيط مأزوم، وكيف تمنع صراعات الجوار من التحول إلى أعباء مباشرة على أمنها واقتصادها ومكانتها؟

ومن هنا، لا تبدو الحرب الجارية المرتبطة بإيران مجرد تطور عسكري في نطاق إقليمي محدود، بل تبدو اختبارًا مفتوحًا لمعنى الجوار الاستراتيجي في صورته الأكثر قسوة. فحين تكون إيران طرفًا مباشرًا في الحرب أو في تداعياتها، لا تبقى المواجهة محصورة في ساحتها، بل تمتد آثارها إلى ما هو أبعد: إلى الممرات الحيوية، وأسواق الطاقة، وحركة التجارة، وحسابات الردع، والبنية النفسية للأسواق والاستثمارات. وفي مثل هذا السياق، لا يستطيع الخليج أن يتعامل مع ما يجري بوصفه شأنًا بعيدًا، لأنه يقع، شاء أم أبى، في قلب الصورة.

فالحروب في هذا الإقليم لا تُقاس فقط بما تخلفه من دمار في ميادينها، بل بما تزرعه من قلق ممتد في بنية المنطقة كلها. كل تصعيد غير محسوب، كل انسداد سياسي طويل، كل انزلاق إلى منطق القوة المفتوحة، يفتح المجال أمام ارتدادات تتجاوز ساحة القتال إلى الأمن الجماعي، والملاحة، والطاقة، والاستثمار، والتوازنات الدقيقة التي يقوم عليها الاستقرار الإقليمي. ومن هنا، تتجلى المفارقة الخليجية بوضوح: فالموقع الذي منح المنطقة وزنها العالمي، بوصفها عقدة استراتيجية للطاقة والعبور والتجارة، هو نفسه الذي جعلها أكثر الأقاليم تعرضًا لدفع ثمن الاضطراب في الجوار.

وفي السياسة، لا توجد ميزة بلا كلفة. فالقرب من الممرات الحيوية يمنح النفوذ، لكنه يفرض أيضًا أعباء اليقظة والتأهب والحذر، والمجاورة لبؤر التوتر قد تمنح أهمية مضاعفة، لكنها في المقابل ترفع كلفة الاستقرار إلى مستويات غير مسبوقة. ولهذا لم يعد السؤال الحقيقي في الخليج: هل سيتأثر بما يجري؟ بل: إلى أي مدى يستطيع أن يحد من الخسائر، وأن يمنع الفوضى المحيطة من التسلل إلى عمقه الأمني والاقتصادي؟

في هذا المشهد، يبرز الدور العربي لا بوصفه هامشًا دبلوماسيًا، بل باعتباره خط الدفاع السياسي الأول عن استقرار المنطقة. فالتحركات العربية الهادفة إلى خفض التصعيد واحتواء الحرب ليست مجرد مواقف شكلية أو تعبيرات إنشائية عن القلق، بل تمثل إدراكًا عميقًا بأن ترك المواجهة تتمدد إلى أقصى مداها لن يؤدي فقط إلى استنزاف الأطراف المنخرطة فيها، بل سيدفع بالإقليم كله إلى مناخ أشد هشاشة، وسيجعل الخليج في مقدمة من يتحمل الكلفة.

ومن هنا جاءت الوساطات العربية بوصفها محاولة جادة لإبقاء نافذة السياسة مفتوحة في وجه منطق النار. فمصر تحركت من موقع الدولة التي تدرك أن اختلال التوازنات الإقليمية لا يبقى محصورًا داخل الحدود المباشرة للصراع، بل ينعكس على المجال العربي برمته. وقطر واصلت أداء دورها في إبقاء قنوات التواصل والتفاوض قائمة حتى في أكثر اللحظات انسدادًا. أما السعودية، فقد دفعت بثقلها السياسي والإقليمي في اتجاه بلورة موقف أكثر تماسكًا، يعيد الاعتبار لخيار التهدئة، ويؤكد أن الاستقرار الإقليمي لا يمكن أن يُبنى على حافة الاشتعال الدائم. كما حضرت أطراف عربية أخرى في هذا المسار، انطلاقًا من وعي متزايد بأن المنطقة لم تعد تحتمل حربًا إضافية، ولا مزيدًا من الفواتير المفتوحة على الأمن والاقتصاد والاستقرار.

وأهمية هذه الجهود لا تقتصر على بعدها السياسي المباشر، بل تمتد إلى أثرها الوقائي العميق. فكل تهدئة، ولو محدودة، تعني بالنسبة إلى الخليج خفضًا في منسوب القلق، وتقليلًا لاحتمالات اتساع الحريق، وحماية جزئية من انتقال الارتدادات إلى مستويات أكثر كلفة. أما الفشل في الاحتواء، فلا يعني فقط استمرار الحرب، بل يعني أيضًا أن الخليج سيجد نفسه في بيئة أكثر خشونة، وأكثر تقلبًا، وأشد ضغطًا على جميع المستويات.

اقتصاديًا، تبدو الفاتورة أكثر هدوءًا في ظاهرها، لكنها ليست أقل وطأة. فالخليج لم يعد مجرد خزان للطاقة، بل أصبح فضاءً واسعًا للاستثمار، والموانئ، والخدمات اللوجستية، والمراكز المالية، ومشروعات التحول الاقتصادي الكبرى. وهذه المنظومة كلها تقوم على عنصر لا غنى عنه: الثقة. وعندما يتسع التصعيد في الجوار الإيراني، ترتفع كلفة التأمين، وتزداد حساسية الأسواق، وتتأثر حركة التجارة، وتتراجع شهية المستثمرين، أو على الأقل تصبح أكثر حذرًا وانتظارًا. وهكذا لا تستهلك الحرب طاقتها في ساحاتها وحدها، بل تترك أثرها البارد والعميق على الاقتصادات التي تريد أن تنمو وعلى المشاريع التي تسعى إلى بناء مستقبل أكثر تنوعًا وأقل ارتهانًا للتقلبات.

أما جيوسياسيًا، فإن الخليج يقف عند مفترق بالغ الحساسية. فهو مطالب بأن يحافظ على أمنه ويردع مصادر التهديد، لكنه في الوقت نفسه حريص على ألا يتحول إلى طرف مباشر في صراع مفتوح تُستنزف فيه مقدراته ويُعاد رسم موقعه تحت ضغط النار. وهذه معادلة ليست سهلة في إقليم تتغير خرائطه بسرعة، وتتراجع فيه اليقينات القديمة، وتتزاحم فيه حسابات الدول مع أدوار الفاعلين غير التقليديين. ولذلك تصبح الحكمة السياسية هنا جزءًا أصيلًا من منظومة الأمن، وتتحول التهدئة من خيار مرغوب إلى ضرورة استراتيجية لا بديل عنها.

الخليج، إذن، لا يواجه أزمة عابرة، بل يواجه سؤالًا مصيريًا يتصل بطبيعة مستقبله في منطقة لا تزال تتقن إنتاج الأزمات أكثر من إنتاج الحلول. كيف يحمي أمنه من دون أن ينزلق إلى استنزاف مفتوح؟ كيف يصون اقتصاده وممراته ومكانته من دون أن يصبح أسيرًا لحرائق الجوار؟ وكيف يوازن بين مقتضيات القوة ومتطلبات التعقل في لحظة تتقدم فيها الانفعالات أحيانًا على حسابات المصالح؟

في المحصلة، ليست المشكلة في أن الخليج يجاور الأزمات، بل في أن هذه الأزمات باتت أطول عمرًا، وأسرع انتقالًا، وأشد تأثيرًا. ولهذا فإن كلفة الجوار الاستراتيجي لم تعد تفصيلًا طارئًا في دفاتر السياسة، بل أصبحت أحد العناوين الكبرى في رسم مستقبل الخليج نفسه. وبين عواصف الإقليم ورهانات البقاء، تبقى الوساطة العربية الرهان الأكثر عقلانية، والسياسة الهادئة هي السلاح الأبعد أثرًا، لأن إطفاء النار اليوم ليس مجرد هدف مرحلي، بل شرط أساسي كي لا يتحول الخليج، بحكم الموقع والجوار، إلى الدافع الأكبر لفاتورة حرب لم تتضح حدودها النهائية بعد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock