أقلام حره

شباب بلا سقف: كيف يحول المهمشون أنفسهم إلى قادة؟

لا يولد القادة، بل يصنعون. وأقسى الظروف أحيانًا تكون أقسى معلم.

 

بقلم د صالح السقا
مدير الموسسة المصريه للدراسات السياسية والإستراتيجية.

في عالم تعج فيه النماذج التقليدية للقيادة بوجوه اعتادت على المنصات، يبقى سؤال جوهري مطروح: ماذا عن أولئك الذين وُلدوا ونشأوا على هامش المدن، في القرى النائية، أو خلف أسوار التهميش الاجتماعي؟ الإجابة ليست في الانتظار، بل في الفعل. فالتاريخ والحاضر يشهدان أن أكثر قصص التغيير إلهامًا تبدأ من حيث لا يتوقع أحد.

ظاهرة صعود القادة من رحم التحديات ليست مجرد مصادفة أو قصص حظ، بل هي نتاج تحول عميق في الفكر والممارسة. هذه التحولات تبدأ بخطوات صغيرة، لكنها تحمل في طياتها قوة هائلة.

من متلقي الدعم إلى صانع التغيير

الخطوة الأولى في هذه الرحلة هي تغيير النظرة إلى الذات والمجتمع. بدلاً من انتظار حلول جاهزة، يتحول الشاب المهمش إلى “صانع حلول”. في تونس، يجسد مشروع “مؤثّرات” هذه الفلسفة، حيث يستهدف الفئات الشابة المهمشة، من الشابات وذوي الإعاقة وسكان المناطق الريفية، ليس لتقديم المساعدات العابرة، بل لتزويدهم بالأدوات والمعارف اللازمة ليكونوا قادة مبادرات التغيير بأنفسهم. إنهم يُعاد تعريفهم كفاعلين أساسيين، لا كمتلقين.

هذا النموذج يتكرر عالميًا، كما يظهر من خلال مبادرات مثل “صندوق تمكين الشباب” الذي يدعم الشباب في أكثر من 64 دولة لتنفيذ مشاريع يقودونها بأنفسهم لمعالجة تحديات مجتمعاتهم، من تغير المناخ إلى المساواة بين الجنسين. التمويل والإرشاد هنا ليسا غاية، بل وسيلة لتحويل الفكرة إلى تأثير ملموس، مما يكسر الحاجز النفسي الذي يصور الشباب كمستفيدين فقط.

الأدوات التي تصنع الفارق

لكن التحول لا يحدث في الفراغ. هناك ثلاث ركائز أساسية تميز هذه الرحلة القيادية:

أولاً: التدريب العملي. لا يقتصر الأمر على المحاضرات النظرية، بل يشمل تدريبات عملية تمنح الشباب مهارات قابلة للتطبيق. برنامج “Dz Young Leaders” في الجزائر، على سبيل المثال، يقدم مسارًا متكاملاً يجمع بين المعرفة النظرية والتطبيق الميداني، حيث يتولى كل مشارك قيادة فريق محلي لتنفيذ مشروع يخدم المجتمع.

ثانياً: الإرشاد والتوجيه. القيادة لا تُتعلم في عزلة. وجود مرشدين وخبراء يوجهون الشباب ويساعدونهم على تجاوز العقبات أمر بالغ الأهمية. في الملتقى الكشفي الدولي الثالث لتمكين الشباب، اجتمع قادة شباب مع خبراء في مجالات متنوعة من القيادة والتواصل الرقمي لحل مشاكل قيادية واقعية.

ثالثاً: شبكات الدعم. الانخراط في مجموعات وأطر تتيح تبادل الخبرات وبناء الشراكات. سواء كان ذلك من خلال مختبرات الابتكار للشباب في عالم الرياضة، أو من خلال برامج وطنية، فإن وجود شبكة دعم تحول التجربة الفردية إلى حركة جماعية.

تحديات الطريق وآفاق المستقبل

مع كل هذه الفرص، يبقى الطريق شاقًا. تُشير الدراسات إلى أن أولويات الشباب العربي تتركز بشكل كبير على الأمن والسلامة والوظيفة، بينما تأتي المشاركة المجتمعية في مرتبة متأخرة. هذا لا يعني أن الشباب لا يريدون القيادة، بل يعني أن تلبية الاحتياجات الأساسية هي شرط أساسي للانطلاق نحو آفاق أوسع. التهميش ليس مجرد شعور، بل هو نتاج عوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية معقدة.

القصة هنا ليست قصة أبطال خارقين، بل قصة إرادة تُصقل بالأدوات والفرص. الشباب الذي ينطلق من المهمش ليس بحاجة إلى سقف يحد من طموحه، بل إلى جسر يعبر به نحو إمكانياته. والمجتمعات التي تستثمر في هؤلاء الشباب لا تقدم لهم خدمة فحسب، بل تستثمر في مستقبلها الأكثر استدامة وعدالة. هم لا ينتظرون الفرصة، هم يصنعونها.
د صالح السقا
مدير الموسسة المصريه للدراسات السياسية والإستراتيجية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock