
صباح السراج تكتب: لعب عيال.. وموت كبار!
حينما تنام القرية الهادئة على صوت ضحكات الأطفال يلعبون في االأزقة وتستيقظ على صوت دوي الرصاص الآلي يحصد أرواح الأمهات والجارات، فنحن لسنا أمام مجرد “مشاجرة جيران” عابرة بل نحن أمام جرس إنذار مرعب يدق في عمق مجتمعنا الصعيدي، وتحديداً من قلب “نجع عزوز” بمركز دشنا.
ما حدث في دشنا لم يكن معركة بين عائلتين تعاركا على حد ارض أو خصومة ثأرية ممتدة؛ المأساة الحقيقية هنا أن الشرارة الأولى كانت “لعب عيال”! مشادة طفولية تافهة في الشارع، تحولت في غضون أيام وبسبب غياب العقل والحكمة إلى “حرب نسائية”، تبادلت فيها النساء إطلاق النار بالبنادق الألية، لتسقط الأمهات صرعى، وتساق الزوجات إلى غيابات السجون خلف القطبان.
تحول مرعب.. النساء في خط النار!
إن هذا الحادثة تكسر كل الموروثات والأعراف الاجتماعية التي تربيتا عليها في الصعيد طالما كان للمرأة الصعيدية قدسيتها وحرمتها في النزعات، وطالما كانت هي صوت التهدئة أو على أسوأ الفروض “المحرض المستتر” أما أن تنزل المرأة بنفسها إلى ساحة المعاركة، وتحمل السلاح الآلي لتصوبه نحو جارتها وتقتلها بدم بارد، فهذا تحول سلوكي ” مخيف” يعكس حجم الاحتقان النفسي والاجتماعي الذي بات يسيطر على البيوت المتلاصقة.
السلاح المنفلت.. قنبلة موقوتة في كل بيت
السؤال الحارق الذي يفرض نفسه هنا: كيف يسهل وصول هذه الأسلحة الفتاكة إلى أيد النساء فور نشوب أي خلاف؟
إن انتشار السلاح غير المرخص في المنازل تحول من “أداة للوجهة أو الحماية” إلى قنبلة موقوتة تنفجر لأتفه الأسباب.
عندما يصبح الغضب لحظي كفيلاً يجعل امرأة تسحب زناد بندقية آلية لتنهي حياة جارتها، فإننا نواجه أزمة وعي حادة تتطلب وقفة حاسمة وصارمة من كافة مؤسسات الدولة والمجتمع المدني.
أين ذهب عقلاء القرى؟
أين ذهبت المجالس العرفية؟ وأين دور حكماء وشيوخ القرى الذين كانوا يئدون الفتنة في مهدها قبل أن تكبر؟ إن ترك الخلافات الصغيرة تتراكم بين الجيران لأيام دون تدخل من كبار القرية لإنهاء الخصومة هو تخل واضح عن المسؤولية المجتمعية.
لقد دفع “نجع عزوز” ثمناً باهظاً من دمائه وسكينته بسبب غياب العقل ولحظة طيش.. إننا بحاجة عاجلة إلى ثورة في الوعي، ونبذ كامل لثقافة العنف السريع، وتفعيل فوري للجان المصالحات الأهلية عند أبسط النزاعات..



