المنصه الدوليه

سوريا أمام اختبار جديد .. هل ما زال الشرع يمسك بخيوط اللعبة أم أن المشهد بات أكبر من الجميع

بقلم محمد خالد الحسينى – اليمن
كلما اقتربت سوريا من الاستقرار، عاد الانفجار، ليفتح الباب أمام عشرات الأسئلة التي تتجاوز الحادث نفسه، وتمتد إلى مستقبل المشهد السوري، وطبيعة الصراعات التي ما تزال تحيط بالدولة، ومسار العلاقات الإقليمية، وحدود قدرة القيادة السورية الجديدة على فرض الأمن والاستقرار.
فالحدث الذي أوقع قتلى وجرحى في سوريا، وفي توقيت بالغ الحساسية، لم يقع في فراغ، بل جاء بينما تشهد سوريا سلسلة من التطورات السياسية والإدارية المهمة؛ إذ يواصل الرئيس أحمد الشرع إجراء تعيينات جديدة داخل مؤسسات الدولة، في إطار إعادة تشكيل بنية الحكم، بالتزامن مع حراك دبلوماسي لافت، أبرز مظاهره اللقاء السوري اللبناني الذي عُدّ محطة استثنائية في مسار العلاقات بين البلدين بعد سنوات من التوتر والتباعد.
هذا التزامن يجعل من الصعب النظر إلى الانفجار باعتباره مجرد حادث أمني معزول، لكنه في الوقت نفسه لا يسمح بالقفز إلى استنتاجات أو توجيه الاتهامات قبل ظهور نتائج التحقيقات الرسمية.
يبقى السؤال الأكبر: من يقف وراء ما جرى؟
الاحتمالات متعددة، لكن الأدلة الحاسمة لم تظهر حتى الآن.
هل يقف تنظيم داعش خلف العملية؟ التنظيم لا يزال يمتلك القدرة على تنفيذ هجمات متفرقة، ويعتبر زعزعة الاستقرار هدفاً ثابتاً له، خصوصاً عندما تبدأ أي دولة باستعادة مؤسساتها أو فرض سيطرتها الأمنية.
أم أن وراء الحادث بقايا شبكات مرتبطة بالنظام السابق، والتي قد ترى في استقرار الدولة الجديدة تهديداً مباشراً لمصالحها ونفوذها؟ فمن الطبيعي أن تسعى القوى التي خسرت مواقعها إلى إرباك المشهد وإظهار السلطة الجديدة بمظهر العاجز عن فرض الأمن.
وهناك من يطرح احتمال ضلوع إسرائيل، انطلاقاً من أن أي تقارب سوري مع محيطه العربي أو مع لبنان قد لا ينسجم مع حساباتها الأمنية والاستراتيجية، خاصة إذا رأت أن استقرار سوريا يمنحها مساحة أوسع لاستعادة دورها الإقليمي، وهو ما يدفع بعض المحللين إلى التساؤل عما إذا كانت هناك أطراف تحاول خلط الأوراق وإبقاء المنطقة في حالة توتر دائم، ومع ذلك، لا توجد حتى الآن أدلة معلنة تربط إسرائيل مباشرة بهذا الحادث.
كما يذهب آخرون إلى احتمال ارتباط الأمر بحزب الله، في ظل ما شهدته العلاقة السورية مع الحزب من توترات خلال المرحلة الماضية.
لكن هذا الاحتمال يطرح بدوره سؤالاً منطقياً: ما هي مصلحة الحزب في تنفيذ عملية من هذا النوع، في وقت تؤكد فيه التصريحات الرسمية السورية أنها لا تسعى إلى مواجهة مع الحزب، بل تتحدث عن إمكانية بناء آليات للتفاهم وتنظيم العلاقة بما يخدم استقرار الحدود والمصالح المشتركة؟ وإذا كانت دمشق لا تتجه نحو التصعيد، فما الذي قد يدفع الحزب إلى فتح جبهة جديدة لا تبدو في مصلحته؟
وهناك من يربط المشهد بالولايات المتحدة، خصوصاً بعد تصريحات سابقة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحدث فيها عن دعم الإدارة الأمريكية للرئيس السوري في مواجهة حزب الله. ويرى أصحاب هذا الطرح أن واشنطن قد تكون معنية بمنع أي تقارب سوري مع الحزب أو مع بعض القوى اللبنانية.
لكن، كما هو الحال مع بقية الفرضيات، لا توجد معلومات معلنة تثبت وجود دور أمريكي مباشر في الحادث، ويبقى ذلك في إطار التحليلات السياسية لا الحقائق المؤكدة.
وقد يكون الواقع أكثر تعقيداً من كل هذه السيناريوهات، وربما تكون هناك جهة أخرى لم تُكشف هويتها بعد، أو تكون العملية نتاجاً لتشابك عدة عوامل أمنية تراكمت بفعل سنوات الحرب، بحيث يصعب اختزالها في طرف واحد.
وفي جميع الأحوال، فإن التوقيت يحمل دلالات سياسية واضحة، فكلما تحركت الدولة السورية نحو إعادة بناء مؤسساتها، أو توسيع علاقاتها الخارجية، أو إطلاق مشاريع إصلاح داخلي، ازدادت محاولات اختبار قدرتها على تثبيت الأمن.
وهذه ليست ظاهرة سورية فقط، بل سمة شهدتها دول عديدة خرجت من نزاعات طويلة، حيث يصبح الأمن أول وأصعب امتحان لأي سلطة جديدة.
أما العلاقة السورية اللبنانية، فإنها تدخل مرحلة دقيقة. فاللقاءات الرسمية الأخيرة تعكس رغبة مشتركة في فتح صفحة جديدة، لكن نجاح هذه المساعي سيظل رهناً بقدرة البلدين على منع القوى المتضررة من التقارب من إفشال هذا المسار.
فاستقرار سوريا ولبنان لم يعد شأناً داخلياً لكل منهما، بل أصبح جزءاً من معادلة أمنية وسياسية تشمل المنطقة بأسرها.
كما يطرح البعض تساؤلاً حول ما إذا كانت التطورات في سوريا مرتبطة بما يجري في الدوحة من مفاوضات واتصالات إقليمية. من السابق لأوانه الجزم بوجود ارتباط مباشر، لكن من المعروف أن ملفات الشرق الأوسط باتت مترابطة بصورة كبيرة، وأن أي تقدم أو تعثر في مسار سياسي قد ينعكس على ساحات أخرى، سواء عبر التصعيد الأمني أو عبر الضغوط السياسية.
ويبقى السؤال الأهم: كيف سيتعامل النظام السوري مع هذا التحدي؟
الإجابة ستتوقف على سرعة التحقيق، وقدرة الأجهزة الأمنية على كشف المنفذين، وشفافية إعلان النتائج، ومدى نجاح الدولة في منع تكرار مثل هذه العمليات.
فالقضية لم تعد تتعلق فقط باعتقال الجناة، بل بإثبات أن الدولة أصبحت قادرة على احتكار القوة وفرض القانون وإدارة الملف الأمني بكفاءة.
يمتلك النظام السوري الجديد عدة أوراق مهمة؛ فهو يعمل على إعادة هيكلة المؤسسات، وبناء أجهزة الدولة، وتوسيع حضوره الدبلوماسي، والاستفادة من رغبة عدد من الدول في استقرار سوريا بعد سنوات طويلة من الحرب.
لكن هذه الأوراق تحتاج إلى ترجمة عملية على الأرض، لأن نجاح أي مشروع سياسي يقاس أولاً بقدرته على توفير الأمن للمواطنين.
وفي هذا السياق، يبرز الرئيس أحمد الشرع بوصفه الشخصية الأكثر تأثيراً في المرحلة الحالية.
فقد تمكن من عبور تحديات كبيرة في فترة شديدة التعقيد من تاريخ سوريا، ووصل إلى السلطة في ظروف كان كثيرون يرونها شبه مستحيلة.
ويُنظر إليه باعتباره سياسياً يجيد إدارة التوازنات، ويعرف كيف يناور بين الملفات الداخلية والخارجية.
لكن السؤال الذي ستجيب عنه الأيام المقبلة هو: هل ما زال يمسك بكل خيوط اللعبة؟ أم أن تعقيدات المشهد السوري والإقليمي أصبحت أكبر من قدرة أي لاعب، مهما بلغت خبرته، على التحكم بها منفرداً؟
حتى الآن، لا توجد إجابات نهائية، المؤكد فقط أن سوريا دخلت مرحلة جديدة، وأن كل خطوة نحو إعادة بناء الدولة ستقابلها اختبارات أمنية وسياسية متزايدة.
وما جرى قد يكون مجرد حادث أمني عابر، وقد يكون بداية مرحلة جديدة من الصراع على شكل سوريا ومستقبلها ودورها في المنطقة.
ولهذا، فإن الحكم على ما حدث يجب أن يبقى مرتبطاً بما ستكشفه التحقيقات والوقائع، لا بما تفرضه التكهنات.
ففي منطقة معقدة كالشرق الأوسط، كثيراً ما تختلط المصالح بالروايات، وتسبق الاتهامات الأدلة، بينما تبقى الحقيقة هي آخر ما يظهر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock